جردة حسابات و"نفضة" تشمل كل الأحداث على الساحة اللبنانية أجراها بالأمس مجلس المطارنة الموارنة. في بيانهم، دقّ المطارنة جرس إنذار لبنان في فترة حرجة، فيه يحاكون معاناة كل اللبنانيين مسيحيين ومسلمين، أغنياء وفقراء، من كل الطبقات والمهن.
منذ سنة كاملة يصرخ اللبنانيون طالبين النجدة، الى أن أغرقتهم حكومة السلاح في فسادها وأدخلتهم مرحلة العتمة والظلم والذلّ. ومنذ سنة يئنّ المواطن اللبناني تحت رحمة الحكومة وسلاحها وقد اهملت هواجسهم اليومية ومشكلاتهم المادية، وغلاء المحروقات والسلع الإستهلاكية، وغرقت في مماحكات وزرائها وتناتش الحصص وتقديم المراكز والتبرّع بمناصب من الفئة الأولى. في الضفة الأخرى، مياومون مظلومون، أساتذة معترضون، موظفون يطالبون برواتبهم، طلاب ينتظرون نتائج امتحاناتهم..
بعد بيان المطارنة الموارنة الذي عبرّ خير تعبير عن آراء اللبنانيين و"فشّ خلق" الكثير منهم، لم يعد أحد يتردد في المطالبة بحكومة حيادية. المطارنة نطقوا بلسان كل الشعب اللبناني، أجروا جردة حساب كاملة متكاملة وأسسوا لعقد اجتماعي بالمختصر المفيد. وهل يعتقد البعض أن اللبنانيين والمطارنة وحدهم يشتكون من الحكومة؟ طبعا لا.. فوزراء حكومة السلاح أنفسهم، ارتضوا أن يكونوا سبب انهيار الإقتصاد اللبناني، ومصدر كره للبنانيين جراء حبّهم للسلطة وتعلّقهم بكراسٍ خشبها "مفوخر"، وقبلوا بأن يشتُموا حكومتهم ويشاركوها فسادها.. ألم يسمع هؤلاء انتقادات الشعب اللبناني وقوى 14 آذار والعمال لهم؟ طبعا سمعوهم يرددون الكلام نفسه الذي ذكره بيان المطارنة الموارنة: عجز، إفلاس، إقتصاد نازف، خطورة على الإقتصاد الوطني، روح اللامسؤولية، تراكم العجز، سياسات اقتصادية ناقصة، تفاقم الفساد، دولة البقرة الحلوب، فقدان القرار..
إنها نتيجة حكومة تعتبر أن الدولة "بقرة حلوب" كما جاء في بيان المطارنة.. استنزفت أرواح اللبنانيين وجيوبهم وأعطت ما يدهش العالم! في الواقع إن كل وزير فيها أعطى ما يدهش العالم، لكن العالم لم يروا أو يلمسوا شيئا لإنقطاع "التيار".. وما كان رأي الوزراء طيلة السنة الماضية؟ يقول وزير الطاقة جبران باسيل "إما أن تكون هناك حكومة تحكم أو هناك حكومة تتفلت الأمور من حولها". بدوره انتقد رئيس المجلس النيابي نبيه بري أداء حكومة ميقاتي داعيا الى أن "تسلك طريقة عمل جديدة وواضحة تأخذ في الاعتبار مواجهة ومعالجة المشكلات والملفات المطروحة كلها، وألا تقتصر سياستها على محاولات تحقيق الحلول الجزئية". وقبل استقالة وزير العمل السابق شربل نحاس انتقده وزير المال محمد الصفدي "بسبب أدائه في مجلس الوزراء والتصرف وكأنه الوحيد الذي يفهم الأمور ويدرسها ويحافظ على مصالح الدولة والعمال ويحترم القانون". ماذا يعني انتقاد المطارنة الموارنة في هذا الظرف أداء الحكومة وماذا يؤسس؟ وهل يمكن أن يؤدي بيانهم الى ردّ حكومي إيجابي ما ينعكس خيراً على اللبنانيين؟
ذكّر نائب رئيس تيار "المستقبل" أنطوان أندراوس المطارنة والبطريرك بأنهم "فرحوا عند تسلّم هذه الحكومة وأرادوا تسويقها، لذا فمن المفترض أن يتوجه البيان فقط الى الحكومة التي تنأى بنفسها عن كل المشكلات الإجتماعية، حيث ان الشعب اللبناني يدعم الجيش والرأي العام اللبناني يعاني جراء الأداء الحكومي". ورأى أن "القرار السياسي اليوم بيد حكومة ميقاتي الذي ينأى بنفسه عن الوضع السوري وعن الوضع الداخلي في لبنان المتعلّق بالأمن"، متسائلا "كيف سيبسط الجيش سلطته من دون قرار سياسي والحكومة لم تتخذ أي قرار في ما يخصّ اعتصام الشيخ أحمد الأسير؟ لا بل إن ميقاتي "مبسوط" لأنه يريد بأي طريقة إضعاف الرئيس سعد الحريري وهذا هو همّ حكومة 8 آذار".
وشدد أندراوس على أن "الحكومة تنأى بنفسها عن مواضيع خطيرة ولا أستبعد أن تنأى بنفسها عن بيان المطارنة الموارنة"، ووصف الحكومة بـ"الغائبة عن الوعي وأنها لا تحمل أي رد فعل لأنها متمسكة بالسلطة، و"حزب الله" متمسك بميقاتي والأخير عالم أن الكل متمسك به والشعب يدفع الثمن".
وأكدّ أندراوس "أن الحكومة لن تقوم بأي رد فعل لأن حكومة حزب الله والنظام السوري وإيران مجبرة على البقاء ومش فارقة معهن خصوصا أن ميقاتي مشغول بالألعاب الأولمبية والبلد يحترق.. هم لا يسمعون الإنتقادات حتى داخل الحكومة نفسها". ولفت الى أن "رئيس جبهة النضال الوطني يرى استحالة في تغيير هذه الحكومة اليوم، وهو القادر أكثر من غيره على التغيير".
وتابع "فليكن الجميع أكيدا أن الحكومة لن تردّ على هذا البيان لأن خطها الأحمر هو الرحيل، والمايسترو حزب الله وهو يقرر ذهاب الحكومة أو بقاءها"، مضيفا "إنها حكومة تسويات للمياومين وغيرهم للحفاظ على بقائها وآخر همها الشعب".
ويرى مصدر "قواتي" أن بيان المطارنة "يضع النقاط على الهواجس والهموم لأن بكركي لا يمكنها أن تنأى بنفسها عن معاناة الناس على كافة المستويات في لبنان". ويشير الى أن "دور بكركي كان وما زال نقل هموم الناس خصوصا في ظل ما يعانيه المواطن اليوم على مستوى الخدمات المعيشية والكهربائية والسياسية". ويتابع "فبكركي لطالما كانت عبر التاريخ صمام الأمان والصوت الصارخ في كل فترة يتعرض فيها لبنان للخطر أو يكون الأداء السياسي فيه محطّ انتقاد".
ويعتبر المصدر أن "حكومة اللون الواحد هي حكومة الألوان المختلفة، وهي محطّ انتقاد على كافة المستويات شعبيا وسياسيا. وجاء بيان المطارنة الموارنة ليرفع الصوت عاليا فهل ستصمّ الحكومة أذنيها؟"، لافتا الى أن "أشرف ردّ على بيان بكركي يكون بأن تقدم استقالتها وتفسح في المجال لحكومة أخرى تسيّر أمور الناس، لأن ما يجري اليوم لا يقبله منطق ولا سياسة، فالوضع كارثي لم يشهده لبنان حتى في زمن الحرب".

