لم يسبق أن تشكلت حكومة في لبنان بمستوى هذا الإكراه الذاتي. أطراف الحكومة جميعهم مُكرَهون على البقاء معاً لأهداف مختلفة. العنصر الوحيد الجامع هو استبعاد فريق معين من الوجود في السلطة بما هي الشرعية السياسية التي يطلّ من خلالها لبنان على الخارج. في هذه الحكومة المنسوبة لطرف لا مجال لتوزيع المسؤوليات عن الفشل والعجز والتعطيل. كشفت الحكومة خللاً بنيوياً لدى مكوناتها عن إدارة البلاد في الملفات والقضايا الاجتماعية والاقتصادية. وفي مكان ما ظهر جلياً أن اقتسام السلطة صعب حتى بين فرقاء ينتمون إلى لون سياسي متداخل إن لم يكن لوناً واحداً.
يصعب القول إن الحكومة تتعرّض إلى ضغط في الشارع من خصومها السياسيين. في معظم التحركات المطلبية، في أكثرية حالات الاحتجاج، في أغلب ظاهرات التمرد، هناك البيئة الشعبية لأطراف الحكومة. لكن اللافت أن بعض المشكلات الأمنية أيضاً انطلقت من تلك البيئة ولو أن أسبابها خارجة عن إرادة القوى السياسية. هناك ثابتة أبعد من تكوين الحكومات تتمثل في النهج الاقتصادي والاجتماعي المسيطر الذي يحمّل الفئات الشعبية أعباء النهب المالي والهدر والفساد ويحمي المصالح الكبرى المسيطرة بحصانة النظام. على الأقل لم تُظهر هذه الحكومة طريقة مختلفة في التعامل شكلاً مع المطالب الاجتماعية. الحكومة الفاقدة كل هيبة وجدت نفسها مستقوية على موظفي القطاع التربوي الذين لا يمارسون وسائل العنف في وجهها. ليست الحكومة مسؤولة عن الأزمات المتراكمة والملفات الكبرى المعلقة على الأعطاب التكوينية للدولة، لكنها فاقدة قدرة المبادرة على احتواء هذه القضايا والملفات وغير ذات مصداقية للحوار حولها.
خلال عقود كان هناك طرف سياسي مهيمن على المؤسسات بقطع النظر عن شراكة الآخرين. تحمّل هذا الطرف ويتحمّل بالتأكيد مسؤولية تجويف الدولة من معظم وظائفها وترتيب توازنات النظام وفق مصالحه وتوجّهاته. أما الفريق الذي يهيمن على هذه الحكومة فهو لأول مرَّة يمسك عصب السلطة الأمنية الشرعية وغير الشرعية وتتوافر له حرية حركة غير عادية نتيجة انحسار خارطة نفوذ الطرف المقابل وحيويته. لم تستطع الحكومة أن تحسم قرارات حيوية على المستوى الوطني وهي من طبيعة روتينية كتعيين رئيس لمجلس القضاء الأعلى. ولم تستطع أن تمسّ مواقع نفوذ في الإدارتين المدنية والأمنية لأنها صارت أسيرة مشروعها السلطوي المدموغ بصفة طائفية.
لا تملك أطراف الحكومة بالتالي أي تصوّر مختلف، وهي أكثر حذراً على المسّ بالتقاليد والامتيازات التي تكوّنت داخل النظام خلال المرحلة الماضية. استرهنت الحكومة السلطة لهدف سياسي لا يتعلق بوجود مشروع داخلي إصلاحي أو بمشروع يفعّل النظام وينقذه من حال الشلل الذي حصل نتيجة تنازع الإرادات والتجاذبات السياسية. تبدو الحكومة مجرد سلطة مختطفة لوقف أي تفاعلات سياسية أو أي قرارات تؤثر على المشهد السياسي الإقليمي.
أخذ بعض أطراف الحكومة حجماً تمثيلياً أكبر بكثير من الواقع أو حجماً لم يسبق أن أعطي لأطراف كهذه. وهم الآن عاجزون عن التصرف به أو استثماره حتى بالمفهوم الخدماتي الزبائني الانتخابي. لا يرغب هؤلاء الأطراف أن يخسروا هذه الصورة التي تحاول أن تحجب خصومهم ولا يريدون الاعتراف بأن لا رصيد لها. والأدهى انهم لا يعترفون برضوخهم لإرادة خارجية عليا تجبرهم على هذا البقاء.
هذه الحكومة شرعيتها الراهنة مستمدة من قرار إقليمي ودولي كحارس قضائي على هذا الإفلاس السياسي للنظام ولقواه. لقد تأكد المؤكد: غياب أي طرف سياسي فاعل يملك استقلالية وطنية تتيح له أن يقترح على اللبنانيين إدارة مناسبة لأولوياتهم الإنسانية.

