السفير: ثـورة مصـر إلـى نفـق: انقـلاب بـرداء دسـتـوري

دخلت ثورة مصر في نفق مظلم، بعدما فجّرت المحكمة الدستورية العليا قنبلة سياسية من العيار الثقيل قبل يومين من انطلاق الجولة الحاسمة من انتخابات الرئاسة، وقبل ساعات قليلة من بدء فترة الصمت الانتخابي، بقرارها حل مجلس الشعب وإبقاء الفريق أحمد شفيق في سباق الرئاسة في مواجهة مرشح جماعة «الإخوان المسلمين» محمد مرسي، في ما بدا أنه انقلاب عسكري برداء دستوري اشير بأصابع الاتهام فيه، الى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الطامح إلى الحفاظ على نفوذه السياسي والمعنوي في الحياة السياسية المصرية.

وبدا من خلال أحكام المحكمة الدستورية، أن التوتر الذي تشهده العلاقة بين المجلس العسكري و«الإخوان المسلمين» قد بلغ نقطة خطيرة، تنذر بتداعيات خطيرة على الشارع المصري، علماً بأن هذا التوتر شهد منحى تصاعدياً خلال الأشهر الستة الماضية، منذ أن تخلى المجلس العسكري عن صلاحياته التشريعية لمصلحة البرلمان المصري المنتخب، الذي هيمن عليه الإسلاميون، وذلك عقب شهر العسل الطويل بين الجانبين، أتى في نهاية المطاف على «ثورة 25 يناير» ومفجريها من الشباب المصري، وأعاد ثورة مصر إلى المربع الأول… إن لم يكن إلى نقطة الصفر.

ومن الواضح، أن ما حصل هو انقلاب عسكري مموّه بحكم قضائي، ومن شأنه أن يعيد جمع السلطتين التشريعية والتنفيذية في يد المجلس العسكري، بما يؤدي إلى إعادة خلط الأوراق السياسية، من خلال انتخابات رئاسية قد تنتهي بفوز مرشح العسكر أحمد شفيق، وانتخابات تشريعية جديدة تسحب من «الإخوان» غالبيتهم البرلمانية، خصوصاً في ظل تراجع شعبيتهم في الشارع المصري، جراء أخطاء عدة وقعوا فيها، لعل أبرزها تغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الوطن والثورة، ومحاولاتهم الاستئثار بكافة مفاصل النظام الجديد ـ في ما يذكر بأداء «الحزب الوطني الديموقراطي» السيئ الذكر ـ عبر إقصاء القوى الأخرى عن مشروع بناء الدولة الجديدة، ومحاولة أخذ المجتمع المصري المعتدل نحو تشدد ديني إرضاءً للتيار السلفي، ناهيك بإخفاقهم في الأداء البرلماني وتماهيهم مع المشروع الأميركي في المنطقة العربية… الخ.

ومن غير الواضح بعد طبيعة التداعيات السياسية لتلك المغامرة الجديدة التي يقودها العسكر، والتي تشبه إلى حد ما الانقلاب الذي نفذه العسكر التركي ضد حكومة نجم الدين أربكان، في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية، وفي ظل سقوط جدار الخوف في الخامس والعشرين من كانون الثاني العام 2011، بما يمنع إعادة إنتاج نظام حسني مبارك، ولو بوجوه جديدة، وأدوات جديدة من قبيل استبدال قانون الطوارئ بقرار «الضبطية العدلية» للشرطة العسكرية والمخابرات الحربية.

وفي ظل المواجهة التي بلغت نقطة اللاعودة بين «الإخوان» الذين يخوضون اليوم «معركة حياة أو موت»، وبين سلطة عسكرية تسعى لإعادة ضبط اللعبة السياسية لمصلحتها، تبدو مصر أمام مفترق خطير، ينذر بانفجار قد يخرج عن نطاق السيطرة على غرار ما حدث في أنظمة عدة دفعت ثمن مغامرات العسكر حروباً أهلية.
احكام المحكمة الدستورية
وقضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بحل مجلس الشعب، كما قضت باستمرار احمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد حسني مبارك، في السباق الرئاسي، وذلك قبل يومين من انطلاق الجولة الثانية والحاسمة من انتخابات الرئاسة، التي يتنافس فيها الفريق أحمد شفيق ومرشح «الإخوان» محمد مرسي.

وقررت المحكمة الدستورية قبول الطعن المقدم إليها من قبل اللجنة العليا للانتخابات بشأن قانون العزل السياسي شكلاً ومضموناً، حيث اعتبرت أن من حق اللجنة الانتخابية تقديم الطعن بصفتها هيئة قضائية، كما قبلت الطعن في الأساس، مستندة في ذلك إلى أن القانون خص أشخاصاً معيّنين، وحرمهم من حقهم في تولي المناصب العامة من دون محاكمة، كما خرج عن مبدأ عدم رجعية القوانين. ويعني قبول الطعن عملياً بقاء الفريق أحمد شفيق في السباق الرئاسي.
أما بالنسبة لقانون الانتخابات التشريعية، فقررت المحكمة الدستورية قبول الطعن بعدم دستوريته مستندة في ذلك إلى انتهاك القانون لمبدأ المساواة، عبر سماحه للمنتمين إلى الأحزاب السياسية بالترشح في نظامي اللوائح والمقاعد الفردية في آن واحد، بينما حصر التنافس على المقاعد الفردية بالمستقلين. وأشارت إلى أن «العوار الدستوري» الذي أصاب القانون لا تقتصر مفاعيله على المقاعد الفردية فقط (ثلث مقاعد مجلس الشعب) بل على البرلمان ككل.

وأثار الحكم المتعلق بمجلس الشعب لغطاً قانونياً حول تطبيقه، بين من رأى انه يؤدي فقط إلى إسقاط عضوية المرشحين على المقاعد الفردية دون سواهم، وبين من رأى أنه يؤدي عملياً إلى حل البرلمان كله. كما تباينت الآراء حول حق المحكمة الدستورية والمجلس العسكري في حل مجلس الشعب وانعكاس ذلك على تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور.
وأكدت مصادر عسكرية أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد يعلن «استعادته السلطة التشريعية إلى حين إجراء انتخابات جديدة لمجلس الشعب». وكان المجلس العسكري تولى السلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد فور تنحي مبارك، لكنه سلم السلطة التشريعية لمجلس الشعب بعد انتخابه في مطلع العام الحالي

شفيق
وفي تعليقه على هذه التطورات، أشاد المرشح الرئاسي الفريق أحمد شفيق، خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام الحملة الانتخابية، بقرارات المحكمة الدستورية، معتبراً أن «رسالة هذا الحكم التاريخي هي انه انتهى عصر تصفية الحسابات، كما ذهب بلا رجعة أسلوب تفصيل القوانين واستخدام مؤسسات الدولة لتحقيق أهداف فئة معينة».
وتابع «سوف نعود شاء من شاء ولم يشأ من لم يشأ.. سوف تعود مصر التي نحلم بها». وأكد انه «لا يريد عزة ولا يريد سلطة او مكانة» بل يسعى إلى أن يساهم مع المصريين في بناء «بلد مستقر، بلد آمن باقتصاد يوفر الرزق للجميع».

مرسي
من جهته، قال محمد مرسي، في تصريحات لقناة «دريم» الفضائية، «نحترم أحكام المحكمة الدستورية… احترم حكم المحكمة الدستورية العليا من منطلق احــترامي مؤســسات وسلطات الدولة ومبدأ الفصل بين الســلطات وأعتبرها واجبة النفاذ»، لكنه أشار إلى أنه «غير راض» عن الحكم بعدم دسـتورية «قانون العزل».
وأضاف: اربأ بأي احد أن يحاول إعادة احد ممن افسدوا» البلاد في عهد الرئيــس السابق حسني مبارك، في إشارة غير مباشــرة إلى احمد شفيق، مؤكدا أن «الشعب المصــري ضد محــاولات إعادة إنتاج النظام (السابق)… والعــزل الشعبي والرفض الشعبي أقوى من العزل القانوني».
 

السابق
مصلحة إسرائيل استنزاف سوريا
التالي
النهار: أمين معلوف دخل الاكاديمية الفرنسية