إذا كان الهدوء قد عاد الى طرابلس، بعد جولة إضافية من المواجهة العبثية بين فقراء المدينة، إلا انه يبدو هدوء ما قبل العاصفة الجديدة، حتى بات السؤال المتداول في طرابلس وخارجها هو: متى الجولة المقبلة؟
وبرغم ان الاجتماع الموسع، الذي عقد في منزل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، رفع الغطاء السياسي عن المسلحين، وطلب من الاجهزة الامنية والعسكرية التصدي بحزم لكل مخل بالامن، إلا ان هذا القرار بدا غير مقنع للكثيرين، لأنها المرة الألف التي يُسحب فيها الغطاء الممنوح لحملة السلاح، ليتبين بعد حين ان الغطاء لا يُرفع عملياً سوى عن ابناء المدينة الذين دفعوا غاليا ثمن المعركة الأخيرة، وهي معركة وُصفت بأنها الأعنف والأكثر اتساعاً منذ العام 1985، وقد أستخدمت فيها أنواع جديدة ومتطورة من الاسلحة، أوحت ان شحنات السلاح التي كانت تُهرّب الى المدينة بدأت تشق طريقها الى شوارع المدينة وأحيائها.
ولعل ما جعل أبناء طربلس والعديد من فعالياتها يفقدون الثقة في الإجراءات الأمنية المتخذة، هو انهم شاهدوا «الفيلم» ذاته مراراً، حتى ملّوا السيناريو المتكرر الذي يبدأ بحادث فردي، فاشتباكات، ثم اتصالات يليها كلام عن رفع الغطاء، فانتشار للجيش وقوى الامن الداخلي في المناطق الساخنة، وبعد ذلك عود على بدء من جديد، حتى بات واضحاً ان الحلقة المفقودة تكمن في غياب القرار السياسي الحازم بتحييد المدينة عن الصراعات الاقليمية ووكلائها المحليين.
تحول حتى الآن دون قوننة الصرف؟
وكان الجيش وقوى الامن الداخلي قد باشرا الانتشار فجر أمس في النقاط الساخنة، تنفيذاً لخطة أمنية وضعت خلال اجتماع أمني برئاسة وزير الداخلية مروان شربل في سرايا طرابلس، بعدما كان المجتمعون في منزل ميقاتي في طرابلس قد طلبوا من الجيش اللبناني وقوى الأمن اتخاذ كل الإجراءات لوقف الاشتباكات، والتعامل بصرامة وحزم مع كل من تسول له نفسه العبث بالأمن، مشددين على سحب الغطاء السياسي عن كل العابثين بالاستقرار.
الفيصل: أحداث طرابلس
امتداد للوضع السوري
وفي موقف لافت للانتباه، اعتبر وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل «أن ما يجري في طرابلس هو لا شك امتداد لما يحدث في سوريا، ونحن منذ فترة نلاحظ ان النظام (السوري) يحاول ان يحول الصراع الى صراع طائفي». وأضاف: هذه من الاشياء التي لا تهدد لبنان فقط، بل سوريا نفسها، لأنها قد تقسم البلد وهذه ظاهرة خطرة جدا، وان دلت على شيء، فإنما تدل على ان هذا الصراع طالما انه امتد، فإنه سيخلق ظروفا اسوأ مما هي عليه الازمة».
كرامي: الهدنة هشة
أما الوزير فيصل كرامي، فقال لـ«السفير» إن «أسباب التوتر في طرابلس لم تنتف بعد، والسلاح لا يزال بأيدي الناس، وبالتالي فالهدنة هشة ولا يمكننا ان نطمئن بشكل تام الى ان التهدئة الحالية هي نهائية وثابتة»، مشيراً الى ان «المطلوب من الاجهزة الامنية والعسكرية ان تتحمل مسؤوليتها بملاحقة المخلين بالامن ووضع حد لهم، لا سيما بعد الاجتماع الاخير الذي عقد في دارة رئيس الحكومة ورفع خلاله الغطاء عن المسلحين، وبرأيي من يحاول حماية أي مسلح بعد الآن يجب التشهير به وفضحه».
واعتبر كرامي ان الحل الجذري يتطلب انتشاراً جدياً للجيش لأنه ما يزال غير جدي، وتفعيل مخابرات الجيش لدورها، ومن ثم النهوض بالمدينة إنمائياً بعدما أصبحت المعاناة تشمل كل طرابلس وليس فقط جبل محسن وباب التبانة، وتتويجاً لهذا المسار الامني ـ الانمائي تأتي المصالحة بين جبل محسن وباب التبانة.
اتصالات بري
من ناحيته، تابع الرئيس نبيه بري خلال وجوده في المصيلح أمس الاول الوضع في طرابلس، من خلال اتصالات أجراها مع الرئيس نجيب ميقاتي وقيادات طرابلس. وقرابة الواحدة فجراً تبلغ بري انه تم التوافق على التهدئة، ووقف إطلاق النار في المدينة، ولكن مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار أبلغه لاحقاً ان الوضع في المدينة يزداد سوءاً، وأن القذائف تنهمر بغزارة على أحيائها، وتمنى عليه ان يتدخل من جديد لوقف التدهور. وعلى الفور، عاد بري الى عين التينة حيث باشر بإجراء اتصالات مع ميقاتي والوزير فيصل كرامي وعدد من فعاليات طرابلس، كما كان التواصل قائماً بينه وبين النائب وليد جنبلاط عبر الوزير وائل ابو فاعور، مع الاشارة الى ان وفداً من جبهة النضال الوطني سيزور بري اليوم.
«الداتا» مجدداً
الى ذلك، علمت «السفير» ان الاجهزة الامنية (مخابرات الجيش والأمن العام وفرع المعلومات) قد طلبت مجدداً الحصول على كامل «داتا الاتصالات»، لضرورات أمنية ملحة، وقد عقدت الهيئة القضائية المعنية بمنح «الداتا» او حجبها اجتماعاً قبل ايام مع وزيري العدل والداخلية للتباحث في هذا الامر، ثم عقدت اجتماعاً آخر يوم الجمعة الماضي مع ممثلي الاجهزة الامنية وخبراء في مجال الاتصالات لاستكمال النقاش. وفي المعلومات ان الهيئة القضائية (يترأسها الرئيس الأول لمحاكم التمييز حاتم ماضي وتضم رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر ورئيس ديوان المحاسبة عوني رمضان) ستجتمع اليوم، حتى تتخذ القرار المناسب، لجهة السماح بإعطاء كامل «الداتا» او عدمه، وسط ميل للموافقة على منح الأجهزة كامل «الداتا»، بفعل الظروف الأمنية الاستثنائية التي تمر فيها البلاد، والتي لا يمكن معها تحمل المسؤولية عن حجب «الداتا»، كما قال لـ«السفير» مصدر مقرب من الهيئة، على ان تُقرن الموافقة المحتملة بمنع التنصت وتحديد مدة الحصول على كامل «الداتا» بمهلة لا تتجاوز الشهرين.
مباحثات سليمان في الكويت
في هذه الأثناء، حضر موضوع الحوار الوطني خلال مباحثات رئيس الجمهورية ميشال سليمان مع أمير الكويت الشيخ صباح الاحمد الصباح، الى جانب قرار الطلب من الرعايا الكويتيين عدم السفر الى لبنان. وقال مصدر رسمي مقرب من رئيس الجمهورية لـ«السفير» إن سليمان تناول موضوع الدعوة التي وجهها لمعاودة جلسات هيئة الحوار الوطني، انطلاقاً من كون الحوار حاجة مستمرة في لبنان، فكيف في الظروف الاستثنائية والملحة الناجمة عن التهديدات الإسرائيلية المستمرة للبنان، مشيراً الى ان الأمر الأكثر إلحاحاً، والذي يوجب الحوار هو التطورات العربية، وتحديداً السورية، التي بدأت تضغط على لبنان، الأمر الذي يستدعي موقفاً وطنياً جامعاً لدرء أي تداعيات محتملة.
وأوضح المصدر أن سليمان تطرق إلى الوضع في سوريا، وموقف لبنان الذي ينأى بنفسه إيجاباً عن الأحداث في سوريا، ويؤيد الحل السلمي، وتأمين كل الدعم لمهمة الموفد الدولي كوفي أنان لإنجاح خطته، مع رفض سياسة العزل أو التدخل الخارجي لا سيما العسكري.
قضية المخطوفين
وأثار سليمان مع أمير الكويت مسألة خطف أحد عشر لبنانياً من قبل المسلحين قرب حلب، متمنياً عليه التدخل والمساعدة لإطلاق سراحهم نظراً للثقل المعنوي لدولة الكويت.
وفي سياق متصل، قال مصدر مطلع على أجواء المفاوضات الجارية لـ«السفير» إن مناخ المفاوضات إيجابي، متجنباً الخوض في التفاصيل، ومشدداً على ضرورة النأي بهذا الملف عن الصخب الاعلامي، لا سيما أن الاتراك ابلغوا الرئيس ميقاتي خلال زيارته الأخيرة الى تركيا ضرورة إخراج هذه القضية من دائرة الضجيج السياسي والإعلامي.

