صمدت الخطة الامنية التي اعادت الهدوء الى مدينة طرابلس، وسمحت بنجاح انتشار الجيش اللبناني بمؤازرة قوى الامن الداخلي في كل من جبل محسن وباب التبانة، منذ ساعات صباح امس، الامر الذي فتح المجال امام اهالي طرابلس لتنفيذ اضراب عام اليوم لتوفير الغطاء الاهلي للجيش اللبناني وقوى الامن في منع العودة الى الاحداث التي اشتعلت ليل الجمعة – السبت، وادت الى سقوط 15 قتيلاً من المنطقتين و48 جريحاً في اخطر انهيار لوقف النار بين المنطقتين المتوترتين منذ العام 2008.
وتوقعت مصادر على اطلاع على ما جرى، وعلى المساعي الجارية لانهاء التوتر، ان تصمد التهدئة، وكشفت ان سباقاً يجري بين رغبة قيادات طرابلس وفاعلياتها ونوابها لانهاء الازمة الامنية واستخدام الخلافات المذهبية والطائفية على خلفية الموقف من الازمة السورية كأوراق في الصراعات الجارية وتداعياتها على الساحة اللبنانية الداخلية.
إلا ان المصادر تخوفت من ان يبقى الوضع في المدينة كالنار تحت الرماد، واشبه بهدنة هشة، طالما ان السلاح موجود، والخطاب المذهبي المتشنج، والخوف من انتقال مفاعيل الاحداث في سوريا على الوضع اللبناني عموماً، مشيرة الى ان محصلة الجهود التي بذلها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي منذ انتقاله السبت الى طرابلس، هو اتفاق امني بموجبات سياسية وتحريض للرأي العام الطرابلسي على محاصرة معنوية للاحداث المتكررة، من اجل منع تكرارها، في كل مرة يريد فيها طرف توجيه رسالة سياسية الى طرف معين داخلي او اقليمي.
واستبعدت المصادر امكانية عقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء مثلما طالبت فاعليات المدينة، نظراً لاضطرار رئيس الجمهورية ميشال سليمان للسفر غداً الثلاثاء الى الدوحة بالامارات العربية لمتابعة جولته الخليجية التي بدأها بالمملكة العربية السعودية، واستتبعها بزيارة سريعة للكويت امس، مشيرة إلى أن جلسة الاربعاء مرشحة للبحث في احداث طرابلس، من زاوية امكانية التعويض على المتضررين واحياء التوجه التنموي الذي كان تقرر في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء، لكن الخلافات حول الانفاق المالي جمد طلب الرئيس ميقاتي تخصيص مبلغ 150 مليون دولار للاحتياجات الانمائية للمدينة.
وتأمل اوساط حكومية ان تكون الاتصالات التي يفترض ان تستأنف اليوم، مع عودة الرئيس ميقاتي الى بيروت، ان تسهم في حلحلة الخلافات الحكومية، باتجاه حل مسألة الانفاق المالي، خصوصاً وان جانباً كبيراً من خلفيات الاحداث المتكررة في طرابلس تسبب بها حالة الحرمان والفقر التي يعانيه ابناء المنطقتين اللتين تعتبران الافقر في مدن حوض البحر المتوسط.
سليمان في الكويت
وكان الرئيس سليمان قد عاد عصر أمس من الكويت بعد زيارة استغرقت بضع ساعات التقى في خلالها أمير الدولة الشيخ صباح الأحمد الصباح وكبار المسؤولين.
وبحسب البيان الرسمي لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية، فقد تمّ خلال اللقاء عرض للعلاقات الثنائية الممتازة بين البلدين على كافة المستويات وفي شتى المجالات (…) وتناول الرئيس سليمان مع الأمير الصباح الأوضاع في المنطقة عموماً وفي سوريا خصوصاً، حيث أوضح بعض الإشكالات التي تحصل كالخروقات وتوقيف بعض المواطنين اللبنانيين وخطف أحد عشر لبنانياً من قبل مسلحين قرب حلب، طالباً إمكان التدخل والمساعدة لاطلاقهم، والدعوة التي وجهها رئيس الجمهورية لانعقاد هيئة الحوار الوطني، مشيراً إلى جهوزية لبنان الرسمي والشعبي لاستقبال السياح والمصطافين الكويتيين واحتضانهم والسهر على أمنهم وحرياتهم.
ولم يوضح البيان ما إذا كان امير الكويت تجاوب مع رغبة سليمان بإلغاء قرار منع سفر الرعايا الكويتيين إلى لبنان، باستثناء الإشارة إلى أن الأمير الصباح أبدى استعداد الكويت للمساعدة الدائمة والتجاوب مع ما يطلبه لبنان منوهاً بالعلاقات الأخوية التاريخية بين البلدين.
اشتباكات طرابلس
في هذا الوقت، شهدت طرابلس، اعتباراً من بعد ظهر أمس، هدوءاً حذراً، نعمت به منطقتا التبانة وجبل محسن، اللتان كانتا ضحية اشتباكات ضارية على مدى يومي الجمعة والسبت، استخدمت خلالها مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وتوسعت للمرة الأولى لتشمل احياء في القبة والمنكوبين المتاخمة لمخيم البداوي. وطاولت مناطق بعيدة عن خطوط التماس حيث سقطت قذائف في ساحة النجمة وشارعي الزاهرية وعزمي، وأدت هذه الاشتباكات إلى سقوط 15 قتيلاً وأكثر من خمسين جريحاً معظمهم في حالة حرجة بسبب رصاص القنص الذي كان سيّد الموقف هذه المرة.
وتحت وطأة عنف الاشتباكات، انتقل الرئيس ميقاتي الذي تحول إلى اطفائي السبت إلى طرابلس، وعقد اجتماعاً لفاعليات المدينة في حضور وزير الداخلية مروان شربل الذي اعلن عن خطة أمنية يبدأ تنفيذها في الخامسة من فجر الأحد، بموجب تكليف من المجتمعين "بالتأكيد على الجيش والقوى الأمنية باتخاذ كل الإجراءات الحازمة فوراً لوقف الاشتباكات من دون تمييز وسحب الغطاء السياسي عن كل العابثين بالاستقرار والأمن".
وعبثاً حاولت القوى الأمنية الانتشار، كما كان مخططاً عند الخامسة فجراً، وتأخر الانتشار إلى الثامنة صباحاً، لكن سرعان ما عاد الوضع إلى التوتر خلال تشييع أحد القتلى في الزاهرية، حيث أطلق المشيّعون النار بغزارة، ما دفع المسلحين في جبل محسن إلى إطلاق النار ما أدى إلى عودة المناوشات على خطوط التماس، وعملت القوى الأمنية على معالجتها.
وأعلنت قيادة الجيش في بيان أن وحداتها أكملت ظهر أمس انتشارها في جميع أحياء منطقة التبانة وجبل محسن، بالإضافة إلى شارع سوريا، وأن وحدات أخرى تابعة لقوى الأمن تستعد للانتشار لاحقاً في هذه المناطق.
وأكد البيان إعادة الاستقرار إلى الأحياء المذكورة، وأن قوى الجيش تستمر في تعزيز اجراءاتها، بما في ذلك ملاحقة المسلحين ورصد أي مكان قد تطلق منه النيران لمعالجته فوراً وبالشكل المناسب.
تجدر الإشارة إلى أن مسؤول الحزب العربي الديموقراطي رفعت علي عيد كان اتهم قوى الأمن بالتورط في الاشتباكات في التبانة عبر استخدام "نواظير قنص" ليلية، باتجاه جبل محسن، مسمياً المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ورئيس شعبة المعلومات العميد وسام الحسن.
وأُفيد ليلاً عن إصابة الدركي محمد السحمراني برصاصة قنص في قدمه بينما كان يعبر جسر المشاة على أوتوستراد الملولة ونقل الى المستشفى الاسلامي، كما ألقيت قنبلة على محل في شارع عزمي، وتعرض محل لبيع الدجاج المشوي للتحطيم في التبانة أيضاً.
إطلاق مخطوفين
في غضون ذلك، أعلنت قيادة الجيش أن مديرية المخابرات تسلمت بعد ظهر أمس المواطنين العكاريين محمد ياسين المرعبي ومهدي حمدان اللذين كانا أوقفا بتاريخ 30/5/2012 من قبل القوات السورية في منطقة العبودية على الحدود الشمالية وأن التسليم تم في محلة المصنع في مكتب التعاون والتنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري، وتم إخلاء سبيلهما بعد إجراء المقتضى القانوني.
وأعلن الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني – السوري نصري خوري انه سلم المخطوفين إلى مكتب التنسيق العسكري في نقطة المصنع.
ومساء عاد المخطوف المرعبي إلى بلدته العبودية وسط اطلاق الاسهم النارية، في حين تزامن اطلاقه مع العثور على جثة المواطن عدنان حسين محمد في النهر الكبير، هو كان مفقوداً من شهر، وبعد انتشاله قطع ذووه الطريق الدولية المؤدية إلى الحدود السورية في محلة العريضة.
اما مسألة المخطوفين اللبنانيين المحتجزين لدى مجموعة مسلحة في ريف حلب، فلم يطرأ عليها جديد، باستثناء تأكيد وزير الخارجية عدنان منصور انهم بخير، وان الحكومة تتواصل باستمرار مع الاتراك وهم يتابعون هذه المسألة.
واشار الوزير منصور في حديث لقناة "الجديد" إلى ان وسائل الاعلام تناولت موضوع المخطوفين باتجاهات مختلفة أثرت سلباً على الموضوع، داعياً إلى عدم جواز التلاعب بمشاعر ذوي المخطوفين بأي شكل من الاشكال.
لكن التطور الابرز على هذا الصعيد والذي أطلق العنان لاستنتاجات عديدة، هو نزوح آلاف من العمال السوريين الذين غادروا لبنان عن طريق المصنع دفعة واحدة، من دون ان تعرف الاسباب، او ما اذا كانت هناك "كلمة سر" اعطيت لهم للمغادرة، الا ان مصدراً ديبلوماسياً سورياً في بيروت أبلغ محطة L.B.C انه ليس هناك من تعليمات سورية لهؤلاء العمال بالمغادرة، عازياً السبب إلى ما سماه "الطابور الخامس" والتحريض الاعلامي.
وقدر مصدر في الامن العام اللبناني عدد المغادرين من السوريين في غضون ثلاثة ايام بنحو 37 ألفاً، فيما اوضحت مصادر اعلامية ان بعض هؤلاء السوريين كشف عن ضغوط تعرضوا لها في الضاحية الجنوبية وبعض قرى الجنوب، ولا سيما بعد الشائعات التي سرت والصور التي وزعت على الهواتف والاترنيت عن مقتل سوري ذبحاً.

