وثيقة الجعفري ومضبطة الاتهام

اعتبرت مصادر دبلوماسية متابعة لتطورات الأحداث في سورية أن الوثيقة التي رفعها مندوب سورية في الأمم المتحدة بشار الجعفري إلى الأمين العام للأمم المتحدة بخصوص موضوع تهريب السلاح ومقاتلي تنظيم القاعدة إلى الداخل السوري، بمثابة مضبطة اتهام مأخوذة نقلاً عن تقارير الأجندة اللبنانية المعلنة، ولذلك لم يكن مطلوباً من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن تكون لديه ردة فعل متسرعة بهذا الخصوص، وهو يعلم تماماً أن ما ورد في الوثيقة السورية صحيح ودقيق إلى درجة أنها تضمنت تفاصيل عن موضوع تهريب السلاح واجتماعات عقدت في بلدة القلمون ووجود عناصر إرهابية سورية تتحرك في منطقة الشمال بكل حرية تحت شعار النازحين!!

وترى المصادر الدبلوماسية أنه كان الأحرى برئيس الحكومة أن يستفيد لبنان من هذه الوثيقة بدعم من الأمم المتحدة لوضع حد للفلتان الأمني في الشمال ولاتخاذ تدابير أكثر فعالية على الحدود اللبنانية ـ السورية وداخل المناطق التي تحصل فيها عمليات تهريب السلاح والمسلحين خصوصاً إذا كانت الحكومة اللبنانية تتعرض لأية ضغوطات داخلية وخارجية، ولهذا فإن الوثيقة السورية إلى الأمم المتحدة لم تكن موجهة ضد لبنان بقدر ما هي تستهدف دورالمنظمة الدولية واستنفارها لكي تتحمل مسؤولياتها باعتبارها تبنت ودعمت مهمة المبعوث الدولي كوفي أنان من خلال مبادرته المعروفة لحل الأزمة السورية سياسياً عبر الحوار وقبلها وقف أعمال العنف.

وسلّطت المصادر الدبلوماسية الضوء على ملف النازحين السوريين معتبرة أن الحكومة تخلت عنه لصالح الأمم المتحدة التي تقرر هوية النازح السوري، وهذا الأمر غير مقبول خصوصاً أن هناك مئات الإرهابيين السوريين الذين فروا إلى لبنان يتجولون في منطقة الشمال بكل حرية تحت شعار النازحين، ومعظم هؤلاء يقومون بنشاطات عسكرية ولوجستية على علاقة بما يجري من أحداث في سورية، وبالإضافة طبعاً إلى البطاقات التي تزودهم بها الأمم المتحدة، فهناك جهة سياسية حاضنة لهم، وهذا ما أشارت إليه الوثيقة السورية الى الأمم المتحدة وهذه الجهة يعرفها جميع اللبنانيين العاديين وليست مخفية بل تلك الجهة تتبنى هذا الأمر بصورة علنية.

وتضيف المصادر الدبلوماسية أن هذه النقطة تنبّه إليها بعض المقربين من رئيس الحكومة وهم يقولون بوجوب الفرز بين النازح الحقيقي وبين النازح الإرهابي والمسلح، لأن ترك هذا الموضوع على غاربه يمكن أن يشكل قنبلة موقوتة على الأرض اللبنانية، وما حصل في طرابلس أخيراً رأينا جانباً منه من خلال دفع عشرات المسلحين السوريين للمشاركة في القتال ضد منطقة جبل محسن تحت شعار ما يسمى بـ«بالجيش السوري الحر».

ومن هنا تشدد المصادر الدبلوماسية على ضرورة أن تتولى الأجندة الأمنية اللبنانية وعلى وجه الخصوص مخابرات الجيش اللبناني والمديرية العامة للأمن العام ومعالجة هذا الملف بالطريقة الموضوعية والصحيحة بعيدا ًعن الأمم المتحدة التي تلعب دوراً مشبوهاً على هذا الصعيد بالتواطؤ مع جهات خارجية وبالتنسيق مع جهات لبنانية سياسية وحزبية، والدولة اللبنانية بأجهزتها الأمنية قادرة على تحديد الهوية الحقيقية للسوريين الذين فروا حقيقة من الأحداث خوفاً على حياتهم، وهوية المسلحين والإرهابيين الذين يلعبون دوراً تخريبياً وفي جعل المنطقة الموجودون فيها مسرحاً لنشاطاتهم وتحركاتهم ضد سورية وعلى المستويات كافة. وهذه الخطوات المطلوبة من الحكومة اللبنانية يجب أن تكون في أولويات واهتمامات رئيس الحكومة ليس لأن طرابلس مدينته ولكن لأن امن لبنان في هذه المرحلة مرتبط إلى حد كبير بأمن الشمال بصورة عامة وأمن طرابلس على وجه الخصوص، وعليه فإن موقف أو ردة فعل الرئيس ميقاتي على الوثيقة السورية لم تكن موفقة ولم تحقق الأهداف المرجوة منها وأن التسرع في اتخاذ المواقف أحياناً وحول قضايا شديدة الدقة والحساسية يمكن أن يرتد سلباً على أصحابه وهذا ما لا يتمناه أحد للرئيس نجيب ميقاتي.

السابق
ولّى زمن المكبّ
التالي
تدابير أمنيّة مشدّدة