"ينام على حال ويقوم على غيرها. يرتدي "بيجامته" ويخلد الى النوم لينهض صباحاً مرتدياً ثياب المدرسة من دون أن يدري كيف؟ وأحياناً، يفقد حذاءه ليكتشف أنه خلعه في الحمام أو في الصالون أو على الشرفة، وغير ذلك الكثير مما يقوم به وهو نائم!"، تلك الشكوى ترددها دائماً أم عمر التي تعاني نوبات تصيب ابنها منذ صغره وتتمثّل بالمشي أثناء النوم
يمشي بهدوء أو بسرعة وحتى يحاول الفرار، يتحدث ببطء بعبارات مبهمة وكلام غير مفهوم، ينظر بعينين مفتوحتين تميّزهما نظرات زجاجيّة لامعة، ويمارس أموراً لفترة تستمر من 30 ثانية إلى نصف ساعة وأكثر، هذه الأمور وغيرها ينساها الإنسان بمجرد استيقاظه ليكتشف أنه كان يسير أثناء نومه! فكيف يمشي أثناء النوم؟ وما الذي يمكن أن يقوم به النائم "الماشي"؟ وهل يمكن اعتباره أمراً طبيعيّاً يحصل للجميع؟
نزهة ليليّة في الغابة!
استيقظت عائلة رودولف ذات ليلة على صهيل الحصان ووقع حوافره راكضاً نحو الغابة، فنهضت الأم وأيقظت والده وأخبرته أن الحصان يعدو خارج القبو. "كيف حصل ذلك، وقد أقفلت القبو بيدي؟". نظرا الى بعضهما البعض نظرة ذات معنى وهبّا مسرعين الى غرفة رودولف (28 سنة)، فوجدا فراشه خاوياً، أما باب المنزل الرئيسي فكان مفتوحاً على مصراعيه، مما يشير الى أن رودولف غادر البيت نائماً! "لديه "تاريخ" حافل من المشي أثناء النوم، وكنا نعاني معه في أيام الطفولة والمراهقة مشكلات عدة: القيام ليلاً وتحريك أثاث المنزل أو تناول الطعام، من دون أن يؤذي نفسه أو غيره، وحين عرضنا حالته على طبيب متخصص، قال إنه أمر يحصل للأطفال والمراهقين ويزول من تلقاء نفسه مع التقدم في العمر"، يشرح والد رودولف. "وفعلاً، لاحظنا تحسناً ملموساً في حالته الى أن انقطعت تلك النوبات قبل عشرة أعوام أو أكثر، لكننا فوجئنا منذ فترة وجيزة بنهوضه ليلاً وتوجهه نحو القبو ليصطحب الحصان في نزهة ليليّة، فأسرعت خلفه وأحضرته الى المنزل من دون أن يتذكر أي شيء مما حصل معه!".
يشعر رودولف وأهله بالقلق حيال تلك الظاهرة التي كان من المفترض أن تكون قد ولّت الى غير رجعة، لكن عودتها المفاجئة أثارت قلقهم وجعلتهم يفتشون عن الأسباب عند الأطباء لمعالجتها.
يشاهد التلفاز من دون تشغيله!
أما عمر، فيحذو حذو رودولف في صولاته وجولاته في أرجاء المنزل ليلاً. فهو يغادر سريره في الليل ويقصد غرفة الصالون ليشاهد التلفاز، أو يبدّل ملابسه أو يتمشى على شرفة المنزل، كل ذلك وهو نائم. "لا أذكر شيئاً مما يحصل معي، لكنني أفاجأ في الصباح بأنني قد ارتديت زيّ المدرسة التي انتقلت اليها أخيراً لأكمل دراستي الثانوية، أو نظّفت أسناني وتركت معجون الأسنان مفتوحاً، وأحياناً أفقد "خفيّ" لأجدهما في الصالون أمام إحدى الكنبات مقابل التلفزيون الذي يكون مطفأ، مما يعني أنني قصدت الصالون لأشاهد برنامجاً من دون أن أشغّله"، يعلّق ضاحكاً قبل أن تكمل والدته: "نطفئ الأنوار ليلاً قبل النوم لنصحو ونجدها قد أشعلت مجدداً. وذات ليلة، صحوت على صوت مجفّف الشعر لأجده يجفّف شعره من دون أن يكون مبتلاً!". طبعاً، عمر لا يذكر شيئاً مما يحصل معه ويستغرب كيف يحدث ذلك، علماً انه لا يشكو أي عارض صحي.
في المدرسة… بعد منتصف الليل!
وإذا كان نهوض أحدهم خلال الليل وتجوّله نائماً يبدو مستغرباً، فكيف بالحري نهوض شخصين معاً وقيامهما بحركات مشتركة متوافقة ومنسجمة في الوقت عينه وهما نائمان؟! تتذكر سابين ضاحكة كيف استيقظت ذات ليلة عندما كانت طفلة لم تبلغ العشرة أعوام، على صوت والدتها تناديها وشقيقها كي يعودا الى الفراش. "ماذا دهاكما؟ هل جننتما؟ عودا الى الفراش سريعاً، ما الذي تفعلانه في هذا الفترة من الليل؟" ظناً منها أننا كنا نلعب إذ كانت أعيننا مفتوحة وأنظارنا شاخصة في سقف الغرفة! "كنا حينها، أنا وأخي، نقف وراء بعضنا البعض كما لو كنا نصطفّ تحضّراً لدخول الصف في المدرسة. ولا أحد يدري كم لبثنا من الوقت على تلك الحال، لكن أمي تنبّهت الى حركة في غرفتنا، فقلقت علينا وسارعت الى تفقّدنا، لتجدنا في هذا الموقف المضحك ولم تعرف حينها ما الذي حصل. وعندما استيقظنا، لم نتذكر شيئاً مما حدث". لكن سابين تذكر جيداً أن والدتها قلقت عليهما وأخبرت والدهما الذي كان يمضي ليالٍ عدة خارج المنزل بداعي عمله، فعرضهما إثر عودته على طبيب متخصّص اعتبر أن حالتهما عادية لا تلبث أن تزول بعد مدة، وهكذا كان.
إضطرابات في مراحل النوم
يربط الاختصاصي في جراحة الدماغ والأعصاب البروفيسور نقولا حداد، المشي أثناء النوم (Sleepwalking or Somnambulism) "باضطرابات تحصل خلال مرحلتي النوم العميق من المراحل الخمس للنوم التي تشمل النعاس، النوم السطحي، النوم العميق، العميق جداً، وأخيراً الأحلام. وفي الحالتين الأخيرتين، ينهض النائم من فراشه ويقوم بأعمال غير متوقعة. وتتميّز هذه الاضطرابات بحركات بسيطة أو معقّدة تتمثل باستيقاظ مفاجئ من مرحلة النوم العميق، كذلك بضبابيّة في الوعي وعدم القدرة على التواصل مع الآخرين. وتراوح الحركات من بسيطة مثل النهوض من الفراش والتجوّل في الغرفة، إلى حركات أكثر تعقيداً كالتجوّل في أرجاء المنزل وحتى الخروج وقيادة السيارة أو زيارة أحدهم. وتتزامن مع الكلام أو تناول الطعام أو إعادة ترتيب أثاث المنزل، وغيرها من الأمور التي يقوم بها النائم من دون أن يتذكر التفاصيل. ويمكن أن ينتهي هذا الأمر مع عودته إلى السرير من تلقاء نفسه ومتابعة النوم. وقد تحصل "النوبات" في أي وقت خلال النوم، حين يكون الدماغ نصف نائم ونصف واعٍ".
أسبابه
تتباين الأرقام في الإصابة بهذا الاضطراب، فمنها ما يشير الى انه يصيب نحو 17 في المئة من الأطفال وغالباً ما يزول تدريجاً مع التقدم في العمر، لكنه قد يعاود الظهور في مرحلة الشباب. وقد يصيب أيضاً ما بين 1 إلى 7 في المئة من البالغين، ويتزامن مع قلق أو اكتئاب أو اضطرابات في الشخصية. كذلك بيّنت إحدى الدراسات، أن ثمة عاملاً وراثياً لا يزال مجهولاًفي عدد من الحالات. فعندما يصاب أحد أفراد الأسرة، فإن نسبة 10 الى 20 في المئة من "أقرباء الدرجة الأولى" تظهر لديهم هذه الأعراض، فيما تعتبر دراسة أخرى في مجلة "الأعصاب" Neurology أن السير أثناء النوم مرتبط بخلل في الكروموزوم "الصبغي" رقم عشرين، وان هذا الاضطراب يصيب 10 في المئة من الأطفال و1 من كل 50 راشداً.
ووفق حداد، "غالباً ما ينجم المشي خلال النوم عن الإرهاق والقلق عند الاطفال والمراهقين، وقد يكون أحياناً نتيجة أمراض عقليّة أو نفسيّة أو بسبب تعاطي المخدرات والكحول. وقد تؤدي الاصابة به لدى البالغين، الى التغيّرات التي تطرأ على المخ من ضمور أو تغيّر في الأنسجة. وعموماً، يكون ناتجاً من اضطرابات في النوم ، وثمة ارتباط طفيف بين هذا الاضطراب والمشكلات النفسيّة كالقلق، التوتر، الخوف، الضجة، ارتفاع حرارة الجسم، وأيضاً الصداع النصفي وبعض الأدوية كتلك المستخدمة في علاج الذهان والمهدئات والمنشطات والأدوية التي تساعد في النوم وسواها. ولعلّ المسبّب الأكثر ترجيحاً للمشي أثناء النوم، هو عدم هيمنة المخ على عملية تنظيم النوم واليقظة، و قد يكون ذلك أمراً طبيعيّاً عند الأطفال نظراً الى عدم بلوغهم، وقد يرتبط بمسبّبات خارجية".
ماذا عن العلاج؟
المشي أثناء النوم مختلف تماماً عن انفصام الشخصيّة، وبعض حالات الصرع الدماغي تتشابه مع هذا الاضطراب، إذ يكون تخطيط الدماغ ضرورياً لتشخيص الحالة. ويلفت حداد الى ضرورة "إيقاظ النائم "المتجوّل" بهدوء مما قد يؤدي إلى ردّة فعل عنيفة وغير مستحبة، لذا يجب أن يتم توجيهه بروية للعودة إلى سريره. ومعظم حالات المشي أثناء النوم لا تحتاج إلى علاج محدد، فهي تزول تدريجاً بعد سن المراهقة من غير مضاعفات تُذكر، وتحتاج فقط إلى تهدئة المريض وطمأنته، إضافة إلى أخذ الاحتياطات لمنع إصابته بالأذى، كإقفال الأبواب وإخفاء الأدوات الحادة. ويمكن تنظيم مواعيد نومه حتى خلال أيام العطل، وممارسة نشاطات تساعد في الاسترخاء وتحديد الأمور التي تسبّب له ضغوطاً نفسيّة، ومحاولة تجنّب التفكير فيها قدر الإمكان قبل النوم. وفي بعض الحالات يمكن الاعتماد على الأدوية بإشراف طبيب متخصّص".

