هل عاد شبح الاغتيالات الى لبنان بعدما طواه "بهدنة" طويلة امتدت زهاء اربع سنوات اتفاق الدوحة؟ وهل يتيح استعمال سلاح ثقيل في القنص على معراب ومحاولة اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع للقوى الأمنية والاجهزة القضائية هذه المرة الإمساك بخيوط تؤدي الى كشف الجهة المتورطة؟
الواقع ان حادث القنص من "مدفع رشاش" على مقر رئاسة "القوات" في معراب اخترق مجمل المناخ الداخلي وبدّل أولوياته مع اثارته المخاوف من عودة مسلسل الاغتيالات للمرة الأولى منذ 19/ 9/ 2007 تاريخ حادث الاغتيال الأخير في المسلسل الذي ضرب لبنان بعد خريف 2004 والذي كان آخر ضحاياه النائب السابق انطوان غانم.
ولعل العامل اللافت في هذا الحادث تمثل في عدم تعامل معظم القوى السياسية معه باعتباره محاولة اغتيال الا بعد مرور اكثر من أربع ساعات على اطلاق الرصاص الثقيل من أسلحة من عيار 12,7 ميلليمترا و14,5 ميلليمترا من احدى التلال المواجهة لمقر جعجع في معراب، الى ان كشف جعجع بنفسه وقائع ما جرى ونجاته من المحاولة.
وتفيد المعلومات المتوافرة لدى "النهار" من مصادر معنية بالتحقيق الجاري في الحادث أن "القوات" لم تكشف في البيان الاول قرابة الحادية عشرة والنصف قبل الظهر الذي أعلنت فيه حصول اطلاق الرصاص على المقر استهداف جعجع مباشرة لأن عمليات البحث عن الجناة ومطلقي النار كانت لا تزال جارية، وقد تولتها قوى الامن الداخلي بمؤازرة طوافة للجيش في أحراج معراب والمناطق القريبة منها، وتواصلت هذه العمليات الى ما بعد الرابعة والنصف عندما عقد جعجع مؤتمره الصحافي وكشف وقائع ما تعرض له. وأشارت المعلومات الى ان رصاص القنص انطلق من حرج دلبتا الكثيف المواجه من مسافة لا تقل عن 1500 متر من مكان مقر "القوات" على تلة معراب والسلاح المستخدم يعتبر سلاحا حربيا ثقيلا، وقام بالمحاولة قناصان استعملا رشاشين ثقيلين مزودين منظارا الكترونيا يحدد الهدف بدقة. وقد تأكد من التحقيقات ان اكثر من شخصين شاركوا في العملية واختبأوا وراء أكمة، ولم يسمع جعجع ومرافقوه اطلاق النار من المكان الذي اختبأوا فيه بل بعد بلوغه الهدف إذ اصابت رصاصات عدة جدارا في المقر كان يتنزه جعجع بالقرب منه وانحنى لالتقاط زهرة مما يرجح ان انحناءته كانت وراء نجاته من الاصابة.
وتوافرت لاحقا معلومات اضافية متصلة بالتحقيق مفادها أن اطلاق النار حصل من رشاش أو أكثر من نوع "شتاير 12,7" نمسوي الصنع، وتبين بعد الوصول الى مكان اطلاق النار ان اغصان الشجر كانت مربوطة بما أتاح للمنفذين مجال الرؤية لممارسة القنص.
وأكد جعجع في مؤتمره الصحافي انه كان يسير مع بعض الشباب وانحنى ليقطف زهرة حين سمع طلقين ناريين مدويين "وبقيت منبطحا على الارض فترة ثم رأينا ثغرتين في الحائط واتصلنا على الفور بالقوى الامنية التي عاينت المكان". وبعدما شكر للجيش وقوى الامن الداخلي قيامها بعملية مطاردة واسعة في مكان اطلاق النار والاحراج اضاف: "كان المراد ان تكون الرسالة الاخيرة وهناك فريق معين يرد علينا منذ 40 عاما بالاغتيالات بينما نحن لا نتكلم إلا في السياسة".
وشبّه محاولة اغتياله بظروف اغتيال الرئيس رفيق الحريري "الذي جلّ ما قام به انه بدأ يزداد حجماً وتبين لخصومه أن الشعب بدأ يلتف حوله وسينال حصة وازنة في انتخابات 2005". وحذر من "اننا أمام حلقة جديدة من مسلسل الارهاب والاغتيالات". وإذ رفض توجيه اتهام صريح ومباشر الى أي طرف قال: "أعرف أن هناك فريقاً كبيراً وراء هذا الجو والطرف الذي يقف وراء العملية محترف بامتياز والدليل الأسلحة التي استخدمت من هذه المسافة التي تصل الى أربعة كيلومترات وهناك امكان انهم وضعوا كاميرا على هذا البعد تتولى مراقبة المركز 24 ساعة لترصد التحركات". ولمح الى ان سبب المحاولة هو "اننا على مقربة سنة من الانتخابات وهناك أوجه شبه عدة (مع اغتيال الحريري) بغض النظر عن الفارق بين الأشخاص والمواقع".
الحريري
وأدرج الرئيس سعد الحريري محاولة الاغتيال في إطار "محاولة شطب رمز من الرموز السياسية التي لها مكانتها ووزنها"، معتبراً أن "هذا الاعتداء الارهابي الذي فشل يرتب مسؤوليات كبيرة على السلطات السياسية كما الأمنية".
كما دعا رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط الأجهزة الأمنية الى "تحمل مسؤولياتها الكاملة للحؤول دون الوصول الى حالة من الانكشاف الأمني أو عودة الاغتيالات السياسية واعادة انتاج المرحلة الدموية السابقة".
14 آذار
وطالبت الأمانة العامة لقوى 14 آذار "باعتبار هذه الجريمة اشارة الى دخول لبنان في مرحلة جديدة تتطلب من الدولة العناية الفائقة". وطلبت من رئيس الوزراء نجيب ميقاتي ووزير العدل شكيب قرطباوي "اتخاذ كل الاجراءات اللازمة لاحالة التحقيق في الجريمة على المحكمة الدولية، خصوصاً انها حصلت أثناء زيارة رئيس المحكمة لبيروت".
وقالت مصادر بارزة في قوى 14 آذار لـ"النهار" إن المشاورات التي أجريت بين قياداتها أدرجت الحادث في إطار محاولة لتغيير واقع البلاد والشروط الانتخابية، كما دحضت كل ما قيل عن وجود الحريري في الخارج لاسباب وهمية. وأضافت أن "المحاولة توحي باعتراف صارخ من حلفاء النظام السوري بأن هذا النظام انتهى وعليه اتخذ قرار بتنظيف الساحة الداخلية قبل الدخول في المرحلة المقبلة، وهي تأتي متزامنة مع وجود رئيس المحكمة الدولية ديفيد باراغوانث في لبنان بما قد يكون إشارة الى المحكمة التي لم تغير شيئاً في عملها على رغم كل ما جرى".
ميقاتي
في المقابل، صرح الرئيس ميقاتي لـ"النهار" بأنه طلب من القضاء "التحرك فوراً وان تقوم الأجهزة الأمنية بدورها كاملاً في التحقيق". وأشار الى انه اتصل بجعجع مستوضحاً الحادث ومؤكداً "أن هذا الأمر يمس بأمن الوطن والمواطنين وأبلغته تكليف الأجهزة الأمنية متابعة الموضوع".
"الداتا"
الى ذلك، أثارت أوساط معنية بالملف الأمني موضوع "داتا" الاتصالات في ضوء ما جرى أمس في معراب. وإذ وصفت ما تعرض له جعجع بأنه محاولة اغتيال لا ريب فيها ونفذها محترفون، نبهت مجدداً الى خطورة حجب داتا الاتصالات عن القوى الأمنية مما اضطر القيادات الأمنية والجيش الى طرح المسألة علناً قبل أسابيع. واعتبرت ان "الداتا" مهمة جداً في هذه المرحلة الخطرة التي يواجهها لبنان.

