حرب المليارات تحت أعين الفقراء!

ساد التفاؤل في الأوساط الشعبية لفترة وجيزة بعدما عمّ التوافق على المخرج الوسطي لأزمة الوزير شربل نحاس ورفضه التوقيع على مرسوم النقل، والذي تحدى من خلاله إجماع مجلس الوزراء، وإجماع كتلته، خاصة في ظل الاتفاق الذي تمّ بين العمال والهيئات الاقتصادية، والذي يعتبر بحد ذاته ملزماً وفقاً للأعراف والقوانين الدولية… إلا أن العناد الذي جعل الوزير نفسه أسيراً له أوحى إليه أنه بوسعه التفرّد برأيه وفرضه على الجميع مما أوصله إلى هذه النهاية الدراماتيكية.

واستمرت التصريحات الإيجابية من الجانبين على ضرورة فتح صفحة حكومية جديدة لتفعيل العمل الوزاري وتجاوز الخلافات الضيقة، تحصيناً للجبهة الداخلية، التي يتزايد الضغط الأمني يوماً بعد يوم عليها، حيث تقاطعت المواقف بين الموالاة والمعارضة على أهمية الحفاظ على الحكومة، وعلى الحد الأدنى من التفاهم بين الحلفاء، بما أن التغيير الحكومي اليوم صعب، لا بل مستحيل، وعلى وجوب الضرب بيد من حديد لكل من تسوّل له نفسه التلاعب باستقرار وأمن البلاد والعباد، خاصة أن ما جرى الأسبوع الماضي في الشمال يجب أن لا يأخذ أكثر من حجمه الطبيعي وألا ينسحب على مناطق أخرى.

إلا أن كل الإيجابية السالف ذكرها، سرعان ما تبخّرت بعد جلسة مجلس النواب، أمس، حيث أقفل ملف وفُتح بديله بشكل تلقائي، فتصدَّر ملف السلف من المليارات التي اعتمدتها حكومات الوحدة الوطنية منذ 2005 حتى اليوم كبديل للموازنات الغائبة، مع غياب التوافق الوزاري وإقفال مجلس النواب لفترات طويلة، في ظروف صعبة ختمت المواجهة الفاعلة لتبعات عدوان تموز وأزمات الكهرباء وغلاء المعيشة ومختلف القضايا المعيشية الملحة.

فكيف تتم قوننة حالة، ورفض الحالة الرديفة لها، وبأي منطق تعتمد سياسة المكيالين في مجلس النواب الواحد، فتُبرأ ذمة من صرف ثمانية آلاف مليار ليرة ونيف خلال عام ويتهم من صرف ستة مليارات خلال ستة أعوام بالفساد والسرقة في ظل ظروف أوجبت مصاريف إضافية هائلة من قبل الدولة، حيث كان الفريق الذي ينصّب نفسه اليوم قاضياً «شريكاً بالجرم».
أما «الدكنجي» الحكيم الذي استشهد الجنرال عون بخبرته في إدارة الدكان لتكون مثالاً للدولة، فقد فاته أن يوضح لسائله أن من يصرف ثمانية آلاف مليار ليرة في سنة هو الأجدر بالمحاسبة والمطالبة بكشف حساب للمدفوعات والدخل وليس الفريق الآخر، بما أن الخسارة أكبر في هذا العام من السنة السابقة.
إن اغتنام الفرص السياسية عند كل استحقاق للثأر من الخصوم لا يخدم مصلحة أي لبناني لأي تيّار انتمى، فإما تُصفَّى الحسابات على أسس عادلة وسليمة وتُطوى صفحة الكيديات ونبش الماضي، أو تبقى القضايا معلقة، ومعها كل فرصة لتوحيد الرؤية الداخلية والنأي بالساحة المحلية عن مخاطر الانزلاق في معركة عض الأصابع الدولية الجارية في المنطقة.

وإذا كان منطق الفئوية والمصلحة الحزبية الضيقة هو السائد، فليكن شرط أن (يخدم المواطن أولاً، بما أن الاستحقاق الانتخابي بات) يكون معلوماً أن أياً من الأفرقاء لن يستطيع دفع ثمن الانفلات الأمني والموت السريري لمؤسسات الدولة في حال احتدمت الاصطفافات الداخلية، وتطورت إلى مواجهة، من رصيده الشعبي، فعندها يسقط الجميع في غياهب الدم والبارود، وتتحول الأكثرية والأقلية إلى مجموعة من الخاسرين الذين أمسكوا بجوهرة الحرية والديمقراطية ولكن ما لبثوا أن فقدوها بسبب طمعهم وجهلهم واقتتالهم للسيطرة عليها… وليس لحمايتها!.   

السابق
مغامر طفولي
التالي
كنعان: من المعيب تغطية 14 اذار لإبتزاز السنيورة