بيت بيوت في بيروت

انتقلت يمنى (22 سنة) إلى بيروت بحثا عن مزيد من الاستقلالية. فبعد إتمام سنتين دراسيتين في طرابلس أرادت أن تكون العاصمة وجهتها التالية. في منتصف شهر أيلول من العام الماضي، وضبت أغراضها وانتقلت من بيت أهلها إلى بيتها الصغير في فرن الشبّاك، حيث سكنت بمفردها. تسكن غراسيا (19 سنة) في فرن الشباك أيضا. ولكنها، على عكس يمنى، تتشارك غرفتها في بيت السكن مع أختها ورفيقتهما في السكن. توّد غراسيا لو تسكن في شقّة صغيرة مع أختها، كحال يمنى التي ما ان أمضت أسبوعين في بيتها الجديد حتى انتقلت منه. أمّا مارسيل (25 سنة) الذي انتقل منذ أربعة أشهر تقريبا من جبيل ليسكن في شقة صغيرة في مار مخايل، فيفكّر بالانتقال مجددا إلى فرن الشباك، مع حلول فصل الصيف.
الياس (20 سنة) مثلا لا يزال صامدا في غرفته في بيت سكن في المنصورية، للسنة الثالثة على التوالي، أي منذ انتقاله إلى بيروت. لكن تلك ليست حال مريم (25 سنة) التي ابتعدت عن الأشرفية، حيث مقرّ عملها، لتتجه إلى الجدَيدة، حيث الكلفة أقل والبيت أكبر. 

اختارت مريم السكن في الأشرفية لكي تبقى على مسافة قريبة من مكان عملها. لكنها بعدما سكنت في شقة صغيرة جدّا لمدة أربع سنوات، قرّرت أن تضحّي بقرب المسافة من أجل أن تحظى بما تسميّه بيتا «حقيقيا». السبب الرئيسي الذي دفع بها إلى مغادرة الأشرفية هو أسعار الإيجارات الخيالية. مريم كانت تدفع 350 دولارا في الشهر مقابل غرفة صغيرة جدّا تتسع لسرير وطاولة مع حمام صغير أيضا.
يمنى التي كانت تدفع 320 دولارا في فرن الشباك، لم تغادر المنطقة بسبب كلفة الإيجار، بل لأنها لم تكن معتادة على العيش في بيت بمفردها. لذلك قررت الانتقال إلى سكن طلابي في مونو، على مقربة من جامعتها، حيث تتشارك غرفة مع رفيقتها بـ225 دولارا لكل منهما. «عم نفتّش أنا ورفيقاتي على بيت صغير حتى نترك بيت السكن. هيك بكون قاعدة ببيت وما بكون لحالي»، تقول يمنى. أما الياس فلا يفكّر حاليا بمغادرة بيت السكن والانتقال إلى شقة، فـ«منزله» مناسب له كطالب. يسكن الياس في غرفة صغيرة، بمفرده. ويدفع مقابل هذه الغرفة 300 دولار شهريا دون أي كلفة إضافية، فتكاليف الكهرباء والموتور والانترنت والتنظيف الأسبوعي تحتسب من ضمن الإيجار.


غراسيا أيضا لا تفكر بمغادرة بيت السكن على الرغم من أنها تودّ لو تجد شقة صغيرة لها ولشقيقتها، تكون مناسبة من حيث السعر ومن حيث الحجم. تدفع غراسيا 165 دولارا مقابل غرفتها في بيت السكن في فرن الشباك، وتجد السعر مقبولا. «إذا بلاقي شي أرخص ومنيح أكيد بيكون أحسن، لأن أنا ما بشتغل وهذه التكاليف دفع زيادة على أهلي»، تشرح. كذلك، مارسيل الذي يسكن في بيت صغير في مار مخايل، يعترف بأن كلفة الإيجار «كاسرتلو ضهره»، فهو يدفع 350 دولارا مقابل غرفة واحدة، هي عبارة عن غرفة النوم وغرفة الجلوس والمطبخ أيضا، ومعها حمام صغير.
اعتاد مارسيل على بيته في مار مخايل، وبات يجده مريحا، رغم صغر حجمه. لكن موقع البيت هو ما يزعجه أكثر. يرى مارسيل أن المنطقة ليست آمنة بما فيه الكفاية، كما أن البيوت تلتصق ببعضها البعض، ما يحدث ضجّة كبيرة، خاصة في الصباح. «أنا شغلي بالليل والصبح بيكون بدي نام، بس ما بقدر من العجقة»، يقول متأففا.

لا يخفي الياس انه يفضّل الإقامة في منزل خاص خارج بيت السكن، لكن وضعه المادّي لا يسمح بذلك، كونه لا يزال طالبا، فيما أسعار الإيجارات مرتفعة جدّا. «أكيد شقة صغيرة أفضل، بس هون كمان عندي استقلاليتي وبيت السكن تجربة حلوة»، يشرح.
وضع غراسيا شبيه بوضع الياس، فهي أيضا لا تزال طالبة، وبالتالي فإن الشقق التي يناسب إيجارها ميزانية أهلها إما صغيرة جدّا، أو قديمة، أو بعيدة عن جامعتها وجامعة شقيقتها، ما يرتّب عليهما مصاريف إضافية للنقل.
مسألة مصاريف النقل هذه لم تشكّل عائقا أمام انتقال مريم التي تتنقّل بسيّارتها الخاصة. تعيش مريم الآن في الجديدة في شقة سكنية كبيرة تتقاسمها مع ثلاث فتيات غيرها. لكلّ واحدة منهن غرفة نومها الخاصة، بينما يتقاسمن حمّامين كبيرين، غرفة جلوس، مطبخا كبيرا وشرفة، وذلك مقابل 600 دولار تتوزع على الأربع، من دون تكاليف إضافية، على عكس بيت الأشرفية الذي كانت تدفع فيه 30 دولارا بالإضافة إلى الإيجار. «هيك اريحلي بكتير، قاعدة ببيت كبير وحتى مع مصروف البنزين ما عم يطلعوا التكاليف قدّ إيجار البيت القديم»، تقول.
تفكّر يمنى بأن تخطو خطى مريم، فما إن تجد بيتا كبيرا يكون قريبا من جامعتها ويتسع لها ولصديقاتها الثلاث حتى تنتقل إليه على الفور: «إذا كل واحدة منّا بتدفع 250 دولار منلاقي أحلى بيت». 

السابق
أنت الخاسر الأكبر!
التالي
الحدثان السوري واللبناني