في وقت تكثفت المساعي السياسية متزامنةً مع تعزيز الإجراءات التي يتّخذها الجيش اللبناني في طرابلس لوقف الاشتباكات بين منطقتيْ باب التبانة وجبل محسن، لم تُبدِ مصادر معنية بهذه الجهود تفاؤلاً كبيراً بامكان معالجة الوضع المتفجر في هذه المنطقة معالجة جذرية ولا ابدت في الوقت نفسه مخاوف كبيرة من اتساعه.
وقد أدرجت هذه المصادر لـ «الراي» التفجير «الموْضعي» بين باب التبانة ذات الغالبية السنية وجبل محسن ذات الغالبية العلوية في اطار رسائل سياسية واضحة متصلة بمجموعة أهداف، ملمحة بذلك الى ارتباط الواقع الذي يحكم هذه البقعة تقليدياً بالصراع في سورية وبالصراعات السورية – العربية.
وقالت المصادر ان تحريك هذه البقعة كان يحصل دائما على هذه الخلفية وقد كان الدليل القاطع على ذلك في الأعوام الاخيرة جولات القتال المتعاقبة ابان وساطة الـ «سين سين» خلال حكومة الرئيس سعد الحريري، وأثبت تحريك القتال بين المنطقتين انها اضحت اداة ضغط مستمرة مع كل تطور يتعلق بانعكاسات العلاقات العربية – السورية على لبنان. اما تحريك القتال في الجولة الاخيرة فلا يمكن عزله عن تطورين اساسيين هما سعي النظام السوري الى التهديد بالاوراق التي يملكها في لبنان في مواجهة الموقف العربي والدولي، وقد جاءت جولة القتال بين المنطقتين عشية اجتماعي وزراء الخارجية العرب ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي اللذين عقدا امس. والتطور الاخر هو زيارة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لباريس حيث بدا واضحاً انه حاول الموازنة بدقة بين موقف «النأي بالنفس» الذي تتبعه حكومته وعدم إزعاج النظام السوري باي استجابة لمطالب فرنسية مناهضة للنظام السوري.
وتبعا لهذه القراءة، تعتقد المصادر ان الوضع المتفاقم في طرابلس سيتجه نحو الاحتواء الظرفي والنسبي في الايام المقبلة من دون ان يعني ذلك نجاحاً في احتوائه على مدى طويل وبعيد، ذلك ان تعقيدات هذا الواقع لا تسمح بمعالجات جدية وحاسمة من جهة، فضلاً عن ان الحكومة تعاني ما يكفي من اختلالات وأزمات بين قواها بما يحول دون توقُّع صدور قرارات حازمة وقوية ومتماسكة تسمح بمعالجة الوضع الامني والاجتماعي في طرابلس على نحو يمنع تجدد الاشتباكات. وتعتقد المصادر نفسها ان انفتاح ثغرة طرابلس مجدداً أثقل بقوة على الاستحقاقات المتراكمة في وجه الحكومة ومن شأنه ان يرتّب أعباء اضافية عليها في المرحلة المقبلة وخصوصاً ان احياء الذكرى السابعة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري غداً سيطلق في وجه القوى الحكومية موجة عنيفة وحادة من المواقف المعارضة التي ستعمد الى تشريح نقاط الضعف لدى الحكومة ومحاصرتها سواء في الملفات الداخلية العالقة والمتعثرة ام في الملف السوري نفسه. اذ ان محطة الرابع عشر من فبراير، ستُبرز بقوة اندفاع قوى 14 آذار في التضامن مع الثورة السورية وسط توقعات بان يكون هناك «صوت» للمجلس الوطني السوري المعارض عبر رسالة تتلى خلال احتفال «البيال»غداً، وهو امر من شأنه ان يُبرز في المقابل تخلي المعارضة عن اي تحفظ في تأكيد دعمها للمعارضة السورية وسيجعل الحكومة اللبنانية المثقلة بخلافاتها تظهر في مظهر محرج ومفكك.
وفي موازاة ذلك، لم يكن «غبار» العاصفة الأمنية التي هبّت من طرابلس وحده ما «اقتحم» اجندة رئيس الوزراء اللبناني في باريس التي أنهى زيارته لها امس، اذ ان «رياحاً ساخنة» سياسية هبّت منذرة بدخول الأزمة الحكومية التي تجلّت في تعليق ميقاتي الجلسات الوزارية منحى اكثر تعقيداً مع تلويح رئيس الجمهورية ميشال سليمان بإقالة وزير العمل شربل نحاس (من فريق العماد ميشال عون) او تغيير حقيبته اذا أصرّ على رفض توقيع مرسوم بدل النقل، وذلك في مؤشر الى بلوغ الصدام بين «الجنرالين» (سليمان عون) مرحلة «اللا عودة» علماً ان المأزق الحكومي تشكّل لبّه «حرب الميشالين» حول «الأمر لمَن» في التعيينات المسيحية.
وبحسب اوساط سياسية فقد بدت «اندفاعة سليمان» رداً على «شد الحبال البروتوكولي» الذي وقع في قدّاس عيد مار مارون في كنيسة مار جرجس المارونية (يوم الخميس) بعدما كان العماد عون آخر الواصلين إلى الكنيسة (البروتوكول يقضي بان يكون رئيس الجمهورية آخر الداخلين)، وغادر قبل انتهاء القدّاس لتجنب مصافحة الرؤساء الثلاثة الذين كانوا حاضرين، فيما كانت لافتة إشارة البطريرك الماروني مار بشارة الراعي ضمن عظته إلى أن الإساءة لرئيس الجمهورية هي إساءة لكل لبنان، فرد عليه سليمان من مقعده: «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت في إشارة تعكس أن الأزمة تحوّلت الى خطوط تماس داخلية».
ووسط مفاجأة «حزب الله»، حليف عون، بموقف سليمان ورفضه التعاطي «العقابي» مع وزير العمل، نُقل عن اوساط بري تفضيلها تجنّب اي ألغام جديدة في الملف الحكومي، في ظل حسم ان اقالة نحاس لن تلقى تأييد ثلثي اعضاء مجلس الوزراء فيما يجري التدقيق في المخارج القانونية لنقل حقيبته (يرجح من العمل الى السياحة اي تبقى حقيبته من حصة العماد عون).
وكان لافتاً ان نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم اعلن أن «من مصلحة الجميع ان تستمر هذه الحكومة وهي التي وفرت الاستقرار السياسي والامني في لبنان»، داعيا اياها «للعودة الى الالتئام من جديد وان تحل مشاكلها بالطريقة الهادئة بعيداً عن الاعلام، لافتاً الى ان الاهم في المرحلة الراهنة هو ترتيب الاولويات واولها تأمين الاستقرار في لبنان ليتمكن من مواجهة التحديات المختلفة».
وفي ضوء مجمل هذا المشهد سيكتسب الاسبوع الطالع اهمية على صعيد رسم الواقع اللبناني واتجاهاته القريبة ان على المستوى الحكومي ومصير الازمة الحالية وبلورة امكانات الخروج منها حفاظا على حد ادنى يتيح لها الاستمرار، وان على المستوى الامني والسياسي العام في ظل تنامي المخاوف من انعكاسات متنوعة للأزمة السورية على لبنان.

