يؤكد الوضع السوري المتفجّر ديناميته الذاتية يوماً بعد يوم، ومعركة تلو معركة، ومنطقة تلو منطقة.. وهو على غرار الزئبق الذي لا يرسي على برّ، يتموّج صعوداً وهبوطاً، وذهاباً وإياباً، تبعاً لمتطلبات الميدان، قبل أي شيء آخر.
ويعني ذلك، في ما يعنيه، أنّ الارتباك أضحى القاسم المشترك الوحيد (!) بين سلطة دمشق وثوار سوريا: تعلن أجهزة الأسد، وتروّج لقرار "الحسم" العسكري والأمني، فإذ بالدشم المسلحة، والدبابات والآليات المدرّعة وعناصر الأمن تنتشر عند أبواب القصر الرئاسي في وسط دمشق! بدلاً من إعادة القبض على المناطق التي فُقدت السيطرة الرسمية عليها، سواء كانت في محاذاة الحدود مع لبنان، أو في محاذاة الحدود مع الأردن، أو في محاذاة الحدود مع تركيا، أو في الداخل العميق ذاته.. أو في محاذاة حدود قصر المهاجرين!
في المقابل، تبدو حال "الجيش السوري الحر" في المستوى ذاته من الارتباك، لكن هذه المرّة في الشكل ليس إلاّ: يدبّ الصوت محذراً من استعدادات (وعمليات) كتائب الأسد في منطقة ريف دمشق تحديداً، فيما هو يقاتل على طريق المطار وفي الغوطة، وتصل أصداء قتاله ومعاركه إلى الشوارع الداخلية (جداً) للعاصمة.
.. لم يعد سرّاً أنّ مناطق سوريّة واسعة صارت خارج نطاق سيطرة السلطة، في مقابل إتساع مساحات سيطرة "الجيش الحر" والمعارضة المدنية في الإجمال.. ولم يعد سرّاً، أنّ الإعلان الرسمي عن اعتماد خيار "الحسم" العسكري أو الأمني، والترويج له باعتباره مطلباً "جماهيرياً" كاسحاً، إنما أوقع ويوقع سلطة الأسد في معضلة قد تكون أشد فتكاً من كل ما سبق.. إذ بعد فقدانها الشرعية الشعبية من خلال التظاهرات الأكيدة المستمرة منذ نحو 11 شهراً، راحت الآن تفقد شيئاً فشيئاً وبشكل حاسم "شرعية التفوّق العسكري" بقوّة النيران والأجهزة وآلة الحرب بكل عدّتها وعديدها.. وتفقد مع ذلك، تبعات ذلك المعطى وترجماته في ميزان التحرّك الدولي، حيث أنّ الضعف الميداني سيترجم، عاجلاً أم آجلاً، ضعفاً وخفوقاً في كفّة موسكو تحديداً، من ذلك الميزان.
ليست مسألة تفصيلية عابرة هذه: "قوّة" الأمن والأجهزة والعسكر، والتي هي عصب السلطة الوحيد.. مصدرها وأساسها وشرط بقائها واستمرارها.. تلك القوّة الراسخة حتى الأمس القريب، تصبح على ذلك القدر من الالتباس والزئبقية، وتفقد "تفوّقها" رغم كل الممارسات النارية والإجرامية والاستئصالية التي تقوم بها.
.. كل ذلك، ولم يحصل اي تدخّل خارجي بعد! ولم تفرض مناطق حظر طيران! ولم تُقرّ قصة الممرّات الآمنة، ولا المناطق الآمنة، ولم يُبلّغ عن عسكري أجنبي واحد اقترب ولو لأمتار قليلة من حدود سوريا! كما لم يُبلّغ عن أي تحرّكات أو استعدادات خارجية للتدخّل في ما يجري!
ماذا يعني ذلك إذا لم يكن يعني، أنّ الخواتيم على الأبواب، وأنّ فعل "كان" الناقص سيكتمل قريباً في حالة سلطة دمشق، أيّاً تكن ممارساتها ومكابرتها!

