«الي بيقتل لازم ينقتل»، «أحسن ما يضلّ خطر على المجتمع»، «خلّي يكون درس لكل المجرمين».. هكذا يبرّر مؤيدو عقوبة الإعدام في لبنان رأيهم. ومن هذا المنطلق تحديدا، دافعت جمعية ALEF «تحرّك من أجل حقوق الإنسان» عن موقفها المناهض للإعدام، وذلك خلال محاضرة ألقيت في كليّة الحقوق في جامعة القدّيس يوسف، تحت عنوان: «هل أنتم مع أو ضدّ عقوبة الإعدام في لبنان؟»، شارك فيها القاضي غسّان رباح ووزير العدل السابق ابراهيم نجّار إلى جانب جمعية «ألف»، التي افتتحت النقاش بطرح الرأي المخالف لرأيها، ثم نقضه: كيف تعطي الحق بالحياة لشخص لم يحترم حق الآخر بالحياة؟
سؤال غالبا ما يطرحه من هم مع عقوبة الإعدام على من يقفون ضدّها. وترد جمعية «ألف» بأن تنفيذ عقوبة الإعدام هو أيضا جريمة قتل عن سابق إصرار وتصميم، إضافة إلى أن بعض المحاكمات لا تحترم المعايير الدولية للمحاكمات العادلة. كما أن الأخطاء القضائية محتملة الوقوع، في حين أن الحكم على المدّعى عليه بعقوبة الإعدام أمر لا يمكن الرجوع عنه متى نفّذ.تبرير آخر يقول إن عقوبة الإعدام تعدّ عامل ردع للجرائم، وترد الجمعية بمعلومات تؤكد عدم جود أية إحصاءات تثبّت أن عقوبة الإعدام ساهمت في هذا الردع المفترض. وبالتالي، معدّلات الجرائم الخطرة لم ترتفع في المجتمعات التي ألغت العقوبة. أما عن الحكم بالسجن المؤبّد كبديل عن عقوبة الإعدام، فيعتبر البعض أن هذا البديل يؤدّي إلى اكتظاظ السجون في بلد كلبنان. غير أن الجمعية تفنّد هذا القول من خلال التوضيح بأن سبب اكتظاظ السجون يعود في الأصل إلى سوء التخطيط والإهمال من الإدارة ومؤسسات الدولة، فضلا عن بطء الإجراءات القضائية. أما المبرر الأكثر شيوعا لدى مؤيدي عقوبة الإعدام، فهو بشاعة وخطورة الجريمة التي يجب أن تقابل بحكم إعدام المجرم، لكي يشفى غليل أسر الضحايا. وعلى هذه الموقف، ترد أيضا الجمعية التي تضع هدف تعزيز حقوق الإنسان نصب عينيها، معتبرة أن عقوبة الإعدام تعزّز مفهوم العنف والانتقام الذي يعارض نظرية الدولة الحديثة ونظرية العقاب التي تقوم على الإصلاح والتأهيل لا على القصاص.
في ختام عرضها لموقفها المناهض لعقوبة الإعدام، طلبت الجمعية من الطلاب أن يطرحوا على أنفسهم أربعة أسئلة قبل أن يصوّتوا لصالح عقوبة الإعدام أو ضدّها:
1- هل يطبّق حكم الإعدام بشكل عادل في لبنان؟
2- هل كل المحاكمات في لبنان تحترم المعايير الدولية للمحاكمات العادلة؟
3- هل تعتقد أن لديك دورا في تعزيز حقوق الإنسان في لبنان؟
4- لو كان المجرم شخصا مقرّبا منك، هل تقبل بتطبيق حكم الإعدام عليه؟
للقاضي غسان رباح، الذي سبق له أن وقع على حكم إعدام، رأي مخالف لموقف الجمعية. يعرّف القاضي رباح الإعدام بأنه عملية بتر لعضو في المجتمع يعاني من مرض خطير، يبتر كي لا يمتدّ المرض في الجسد كلّه. هي عقوبة استئصالية لا انفعالية، بحسب القاضي رباح الذي يؤيد عقوبة الإعدام في بعض القضايا ويناهضها في قضايا أخرى. أما بشكل عام، فيرى رباح أن إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان لا يمكن أن يحصل طالما أن لا أمان ولا أمن في البلاد. لذلك يعتبر أن قرار تعليق العقوبة هو حلّ مرحلي، أما الحل الجذري والنهائي فيكون باستبدال عقوبة الإعدام بالحكم المؤبد غير القابل للتعديل. وينبّه إلى أن ذلك يتطلب تعديلا في الدستور اللبناني، في ما يخص مواد العفو العام والعفو الخاصّ.
يعود الوزير السابق إبراهيم نجار الذي خاض ولا يزال معركة ضدّ عقوبة الإعدام في لبنان ليتفق بشكل كامل مع موقف الجمعيّة. من المنطلق الفلسفي والإيماني، يؤمن نجار أن هناك قيمة محورية نهائية لا يعلو عليها شيء، وهي الإنسان الذي يجسّد قيمة إلهية. «لا شيء يحمل أي معنى طالما لا يهدف أولا وأخيرا إلى غاية نهائية هي الإنسان»، يقول نجّار الذي يعتبر أن المجتمع مسؤول عن كل الأسباب التي يمكن أن تؤدّي بالمجرم إلى ارتكاب جريمته.
ويلفت نجار إلى أن لبنان مقصّر في كل ما يخصّ حقوق الإنسان: لبنان الذي وقع على اتفاقية مناهضة التعذيب لا يزال التعذيب قائما فيه، ولبنان الذي وقّع على اتفاقية مناهضة الاتجار بالبشر لا يزال الاتجار بالبشر قائما فيه، فضلا عن اتفاقية المساواة بين الرجل والمرأة، وحقوق الطفل والسجين…
في ختام المحاضرة يؤكد نجار عدم وجود عقوبة لا غبار عليها، وأن كل شيء رهن باختلاف الأزمان والحضارات والثقافات، ولكن يبقى التقدم باتجاه احترام حقوق الإنسان هو الأهم.
المحاضرة لم تقتصر فقط على آراء هؤلاء، فالطلاب عبّروا أيضا عن رأيهم عبر التصويت. وجاءت النتائج على الشكل التالي: من بين 97 طالبا، 52 صوّتوا ضدّ عقوبة الإعدام، 30 صوّتوا معها، و15 طالبا كان لهم رأي تأرجح بين «مع» في بعض الحالات و«ضدّ» في الحالات الأخرى.

