النهار: باريس تردّ التحدي: التزاماتنا مستمرة وبيان لمجلس الأمن يندّد بالهجوم الإرهابي

لم تكن التحذيرات عن اعتداءات جديدة على القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان "اليونيفيل" عموما، والجنود الفرنسيين العاملين فيها خصوصا، بعد الاعتداء الذي استهدفهم في 26 تموز الماضي بعيدة من الواقع. فجاء اعتداء أمس والذي أوقع خمسة جرحى في صفوف دورية فرنسية قرب صور، إثباتا لهذه التحذيرات التي تشير، بحسب معلومات ديبلوماسية، الى ان ثمة أفقا مشحونا بالمحطات التي سيمر بها القطار اللبناني في الاسابيع المقبلة. ومن هذه المحطات ذات الطابع الدولي قرب وصول فريق المحكمة الخاصة بلبنان الى بيروت، ثم صدور قرارات ظنية جديدة عنها، وزيارة الامين العام للأمم المتحدة بان كي – مون للبنان في 11 و12 من الشهر المقبل.

طابع مخابراتي
غير أن الاعتداء على الجنود الفرنسيين أمس، استأثر باهتمام واسع داخليا ودوليا، في ضوء تحذير سابق لباريس من ان استمرار مساهمتها في "اليونيفيل" هو على محك أي تطور أمني يحصل بعد اعتداء تموز الماضي. وفيما تركزت الابحاث على اعتداء صور في الاجتماع الامني الموسع في السرايا نهارا وفي جلسة مجلس الوزراء مساء، تبين من التقديرات الاولية ان طابع الاعتداء الجديد مخابراتي على غرار ما شهده الجنوب في حادث اطلاق الصواريخ في نهاية الشهر الماضي، وقبل ذلك في حادث خطف الأستونيين في البقاع قبل أشهر. وقد أعادت مصادر مواكبة لتطورات الجنوب الى الاذهان نفي "كتائب عبدالله عزام" مسؤوليتها عن عملية اطلاق الصواريخ من الجنوب والتي نسبت الى المنظمة. وفي بيان النفي تذكير بـ"عملية اختطاف الاستونيين السبعة" وأن "الرجل الذي أدار العملية عميل للمخابرات السورية (…) وليس للجماعات الاسلامية أي صلة بها، بل هي من تخطيط المخابرات السورية وأرادت الباسها لباس الحركات الاسلامية".

مجلس الوزراء
وقد اطلع مجلس الوزراء، الذي انعقد في جلسة عادية في السرايا، على المعطيات الخاصة بالاعتداء على "اليونيفيل" من الرئيس نجيب ميقاتي. كما تطرق البحث الى الاجراءات التي تقرر اتخاذها لضبط الحدود بين لبنان وسوريا ومراقبتها بواسطة الجيش، فأكد المجلس دعمه لها. وقلل وزراء أهمية المواقف التي صدرت بعد جلسة الاجور، فيما وصف موقف "حزب الله" المؤيد لاقتراح ميقاتي وللتحرك النقابي في آن واحد بأنه ارضاء للنائب ميشال عون. ووصفت الجلسة بأنها كانت منتجة وغابت عنها أية أجواء حادة.

الانفجار والردود
وكان الاعتداء أمس حصل قرابة التاسعة والنصف صباحا عندما انفجرت عبوة ناسفة قدرت بنحو 10 كيلوغرامات من مادة "تي ان تي" زرعت على طريق ترابية بين بلدة برج الشمالي ومحلة الحوش قرب صور، وذلك لدى مرور دورية فرنسية، مما أدى الى تحطم سيارة جيب عسكرية واصابة العسكريين الخمسة الذين كانوا فيها بجروح. كما أصيب ثلاثة مواطنين بجروح صودف وجودهم في المكان لحظة الانفجار.
وربطت ردود الفعل الصادرة عن الرؤساء ميشال سليمان ونبيه بري ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة، الاعتداء بمحاولة "استهداف القرار 1701 وكشف لبنان امام الارهاب الاسرائيلي ودفع فرنسا الى انهاء مساهمتها في اليونيفيل". فيما وصف "حزب الله" الاعتداء بأنه "استهداف مشبوه". وأعلن وزير الصحة علي حسن خليل عن معالجة المصابين على نفقة الوزارة.
وفي المقابل، رأى النائب مروان حماده ان الاعتداء على الكتيبة الفرنسية هو "رسالة واضحة من السوريين، وساعي البريد هو حزب الله". وقال لـ"وكالة الصحافة الفرنسية": "لا شيء يحدث في تلك المنطقة من دون موافقة حزب الله". مذكرا بأن المسؤولين السوريين "يتهمون فرنسا بأنها رأس حربة في ما يجري في سوريا عبر حديثهم عن مؤامرة خارجية، بالاضافة الى ان "حزب الله" متوتر ايضا نتيجة التصعيد الحاصل في سوريا". مع اشارته في ضوء ذلك الى وجود "إحساس بأن شيئا ما سيحدث" في ظل التطورات الراهنة.

باريس
وفي باريس (سمير تويني)، ندد وزير الخارجية الفرنسية ألان جوبيه "بشدة" بالانفجار، وقال: "ان فرنسا مصممة على مواصلة التزاماتها في اليونيفيل ولن ترهبها أعمال مثل التفجير" الذي استهدف الدورية الفرنسية.
ويشكل كلام جوبيه رداً على الرسالة التي وجهها واضعو المتفجرة الى باريس، ويختلف عن كلام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بعد الاعتداء الذي تعرضت له الكتيبة الفرنسية في 26 تموز الماضي اذ هدد في حينه بسحب هذه الكتيبة إذا تعرضت مجدداً لأي اعتداء.
وطالب جوبيه "بإيضاح ملابسات هذا الانفجار تماماً" ودعا السلطات اللبنانية الى "بذل كل الجهود من اجل محاكمة المسؤولين عنه".
واوضح ان باريس "لن تتسامح مع الذين يهددون امن العسكريين المنتشرين في اطار عملية حفظ السلام والتي تشارك فيها بموجب القرارين 1701 و1937 الصادرين عن مجلس الامن بناء على طلب الحكومة اللبنانية". واضاف: "لا بد من ضمان امن القوات التابعة لليونيفيل وحرية حركتها وبذل كل الجهود من اجل تفادي مثل هذه الاعتداءات". وذكر "ان القوات الدولية تقدم مساهمة اساسية من اجل اقرار السلام والامن في لبنان في محيط اقليمي غير مستقر".
واعرب عن شكره لرسائل التضامن التي عبر عنها اللبنانيون وخصوصاً رئيسا الجمهورية والوزراء، مشيراً الى ان الرئيس ميقاتي الذي "عزز اجهزة الامن اللبنانية قد وعد باتخاذ اجراءات فورية".
وصرح الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو "بأن باريس لا تملك حتى الآن معطيات عن وجود رابط بين الانفجار الذي استهدف جنودها والدور الفاعل الذي تضطلع به فرنسا في الملف السوري والاحداث الجارية في سوريا".
وقال: "ليست لدينا عناصر تتيح لنا توجيه الاتهام الى هذا الطرف او ذاك". اما في شأن اي تعديل في وضع الوحدة الفرنسية في "اليونيفيل"، فقال انه "عندما نحصل على النتائج والتوصيات لمراجعة استراتيجية اليونيفيل والتي تدور في الامم المتحدة والمتوقعة مطلع السنة المقبلة، سنستخلص منها النتائج الضرورية حول دور القوات الفرنسية ونطاق عملها وتنظيمها ضمن القوات الدولية، اي طريقة العمل بشكل افضل مع الجيش اللبناني لتعزيز امن اليوينفيل داخل منطقة عملياتها وخارجها". وشدد على ما اعلنه جوبيه من ان باريس مصممة على "مواصلة التزاماتها وانها لن تسحب العناصر الفرنسية التابعة لليونيفيل".
وتتخوف باريس من تمدد الازمة السورية، او كما قال السفير الفرنسي دوني بييتون من "انعكاساتها السلبية" على الوضع الداخلي اللبناني بما في ذلك سلامة قوات اليونيفيل المنتشرة في الجنوب وامنها. وباريس في هذا السياق لا ترغب في ان تعود اليها قيادة القوة الدولية بعد اسبانيا وتفضل البقاء في الصف الخلفي في الوقت الحاضر في انتظار جلاء المحادثات التي تدور في نيويورك لمراجعة استراتيجية القوة الدولية وقواعد الاشتباك. وسيكون موضوع امن اليونيفيل وسلامتها من أهم الملفات التي ستطرح خلال زيارة الرئيس ميقاتي لفرنسا في النصف الثاني من الشهر المقبل.

الأمم المتحدة
وفي نيويورك (علي بردى)، أبدى الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون امس "قلقه البالغ" من الهجوم الذي تعرضت له "اليونيفيل" قرب مدينة صور، داعياً الى "كشف المتورطين وجلبهم الى العدالة بسرعة".
وقال الناطق باسم الامم المتحدة مارتن نيسيركي في بيان ان الامين العام "يندد بشدة" بالتفجير الذي استهدف آلية لـ"اليونيفيل" قرب صور. واضاف ان "اليونيفيل والسلطات اللبنانية تتعاون عن كثب في التحقيق الجاري، الذي يهدف الى التثبّت من الحقائق"، متوقعاً ان "يعرف المتورطون ويجلبوا الى العدالة بسرعة". واكد ان "هذا الهجوم على اليونيفيل، وهو الثالث منذ ايار 2011، مقلق جداً"، مشدداً على ان "امن العاملين للامم المتحدة في لبنان وسلامتهم ذو اهمية قصوى".

مجلس الامن
ولاحقاً اصدر مجلس الامن بياناً صحافياً جاء فيه ان اعضاء المجلس "ينددون بأقوى العبارات بالهجوم الارهابي على قافلة للقوة الموقتة للامم المتحدة في لبنان، اليونيفيل، قرب صور، في 9 كانون الاول، مما ادى الى جرح خمسة من حفظة السلام التابعين للامم المتحدة من الكتيبة الفرنسية ومدنيين اثنين". واضاف انهم "يعبرون عن تعاطفهم مع الجرحى وذويهم". وقد اخذوا علماً بـ"التزام لبنان البدء بتحقيق لجلب المتورطين في الهجوم الى العدالة وحماية تحركات اليونيفيل"، ودعوا الى "تعزيز التعاون بين القوات المسلحة اللبنانية واليونيفيل والى انهاء سريع لهذا التحقيق". ونددوا كذلك بـ"كل محاولات تهديد الامن والاستقرار في لبنان"، مؤكدين "تصميمهم على ضمان ألا تمنع اعمال ترهيب كهذه اليونيفيل من تنفيذ مهمتها وفقاً لقرار مجلس الامن الرقم 1701". كذلك دعوا كل الاطراف الى "الامتثال بدقة لواجبهم احترام سلامة اليونيفيل والعاملين الآخرين في الامم المتحدة" والى "ضمان الاحترام التام لحرية تحرك اليونيفيل، طبقاً لمهمتها وقواعد الاشتباك" الخاصة بها. وختموا انهم "يؤكدون دعمهم الكامل لليونيفيل ويعبرون عن تقديرهم القوي للدول الاعضاء المساهمة بالقوات".

موسكو
ووصف السفير الروسي في لبنان الكسندر زاسبيكين، في مقابلة خاصة عبر "تلفزيون القوات اللبنانية" على الانترنت، عمليات استهداف "اليونيفيل" بأنها "ارهابية وخطيرة جداً". لكنه قال إنه ليست لدى موسكو "معلومات اكيدة عن الجهة المنظمة او المنفّذة".  

السابق
السفير: المقاومة تفضح شبكة سي آي إيه بالأسماء والأماكن
التالي
تفجير اليونيفيل: الرسـالـة وصلـت.. ولكنها فارغة المضمون