فوجئ المراقبون، وفوجئت الأحزاب السياسية بكثافة الإقبال الشعبي على الانتخابات· وكانت تحركات الشباب بميدان التحرير على مدى أكثر من أسبوع، ومطالبتهم المجلس العسكري بالتنحّي، قد نشرت حالة من عدم التأكد· وقيل: حتى لو جرت الانتخابات فإنّ الإقبال عليها لن يكون كبيراً! لكنْ سائر القوى السياسية كانت قد أعدَّت لذلك إعداداً هائلاً فيما يبدو وبخاصة الأحزاب الإسلامية، وحزب الوفد وأنصاره، وحزب ساويرس القبطي· وهكذا فيمكن الذهاب إلى أنّ الشباب فشلوا في مواجهة المجلس العسكري، كما لم يستطيعوا تعطيل فوز الإخوان· لكنْ من جهةٍ ثانية هناك نوعٌ من التوازن حصل عندما أقرَّ المجلس العسكري تشكيل هيئة استشارية من خمسين شخصية لتراقب حكومة الجنزوري وتُشير على المجلس، كما أن عضو المجلس العسكري صرَّح أنّ رئيس الجمهورية هو الذي يُعيّن رئيس الحكومة وليس البرلمان، مما دفع الإخوان للتصريح بأنهم يفضلون نظاماً برلمانياً يكون رئيس الجمهورية فيه ضعيفاً! وهكذا انحسمت عدة أمور قبل حصول الاقتراع تجعل من الانتخابات مهمةً دون أن تكون النتائج على القدر نفسه من الأهمية، فالهيئة الاستشارية تحد من صلاحية الحكومة المقبلة والمجلس، وقوة الاخوان في البرلمان نصرت الرأي القائل إن رئيس الجمهورية في الدستور ينبغي أن يكون قوياً ليوازي سلطة البرلمان، وتحدي الاخوان والاسلاميين للشباب دفع سائر الأحزاب للاجابة على التحدي بمحاولة إنزال <الاكثرية الصامتة> إلى صناديق الاقتراع· فالاخوان والسلفيون يستطيعون الحصول على نسبة كبيرة من النواب اذا كان التصويت ضعيفاً، لأن الحزبيين يلتزمون بالاقتراع· اما إذا صوت ثلثا من لهم حق التصويت، فلا شك ان النجاح الإخواني والسلفي سوف يكون نسبياً، وهذا فضلاً عن فوز الكثيرين من <الفلول> إما تحت مظلة الوفد أو في الدوائر الفردية· ولذا فهناك أمل كبير في أن لا يخسر المدنيون والليبراليون، وإن تكن ظاهرة المد الاسلامي ماشية بدليل ما حصل بتونس والمغرب، ويوشك أن يحصل في ليبيا واليمن!·
الانتخابات المصرية مهمة في حدوثها، لأن أكثر من 60% من المقترعين يشاركون للمرة الأولى في التصويت، ولها دلالة أخرى تتعلق بالوعي السياسي المتصاعد بضرورة التنافس الحقيقي على هوية مصر ونظامها ولها دلالة ثالثة تتعلق بالسلمية والانضباط من سائر الأطراف تقريباً، أما نتائجها فليست على نفس القدر من الأهمية للأسباب التالية: إن النتائج بالمجمل معروفة سلفاً تقريباً، فالإخوان والسلفيون سوف يحصلون على حوالى الثلاثين بالمائة من المقاعد في مجلس الشعب، والنسبة نفسها سيحصل عليها المعارضون التقليديون والليبراليون وشباب الثورة· أما في الدوائر الفردية فإن نسبة كبيرة من الفلول والعشائر والعائلات الريفية ورجال الأعمال سوف تبرز فيها· وهذه الشرذمة الكبيرة ستحرر المجلس العسكري من الالتزام تجاه الحزب الفائز ولو لم يُلزمه الدستور المؤقت بذلك· وعندما يذهب المصريون في شهر يونيو (حزيران) 2012 لانتخاب رئيس للجمهورية، فإنهم سيصوتون بكثافة لذوي الخبرة والذين يوحون بالثقة، وبإمكانهم فرض الاستقرار بدون عنف، إيماناً منهم بأن <الرئيس> هو الضمانة لاستقرار مصر وتنامي دورها، واستثمار نتائج ثورتها على الاستبداد!

