لم أفهم لماذا صفّق الحاضرون في السينما لدى انتهاء عرض فيلم "وهلأ لوين؟". حرّكت يديّ تجاوباً مع حركة الناس، لكن شدة يأسي منعتني من التصفيق.
خرجت من الفيلم "البايخ" يائساً، يلفني أسى عميق لحالنا المبكية والمضحكة في آن واحد.
هل نحن حقاً شعب عظيم، كما ينادينا العماد ميشال عون؟ أم اننا شعب (…) لا يتعلم من أخطائه، بل يكرّرها طائعاً كل عشر أو عشرين سنة؟
لم أفهم لماذا ضحك الناس أمام المشهد الأخير، عندما احتار أهل القرية أين يدفنون الشاب المتوفّى ضحية اقتتالهم وطائفيتهم اللعينة؟ هل ثمة ما يضحك عندما ننظر الى المرآة فنرى أنفسنا رواد مقابر، نحمل "الشهيد" تلو الآخر الى مثواه الأخير، ونحتار في دفنه؟ لا يهم الميت أين يدفن، أفي مقبرة المسيحيين أم المسلمين. ولن تهتم والدته وزوجته وشقيقته لطريقة الدفن بعد خسارته، واتشاحهن بالسواد الذي، لوفرة الضحايا، تظل نساؤنا ملتحفات به عقوداً، وخصوصاً في أزمنة الحروب، لأن القذائف والرصاص، والاقتتال "الأخوي"، تحصد قريباً أو جاراً أو صديقاً. وعلاقات القربى أو الجيرة تفرض على النساء فقط، التضامن بالأسود، حتى أن كثيرات فقدن معنى اللون.في "وهلأ لوين؟" نساء لن نجد مثيلات لهن في حياتنا اليومية، وإن كانت السيدات يرغبن في السلام دائماً أكثر من الرجال. أما الواقع المؤسف لهؤلاء الرجال المتخلفين فهو مشهد يتكرر كل يوم. وما دام الرجال على حالهم، ونساء الفيلم غير موجودات، فإن الصراع قائم حتماً، وحروبنا ستتكرر عندما تجد من يموّلها ومن يمدها بالسلاح. أما الرجال المقاتلون أو المستعدون للقتال، فموجودون والحمدلله في كل حين، "ولو شو ما في رجال؟".
"وهلأ لوين؟" يخرج بخلاصة اننا كلنا ذاهبون إلى المقابر، وان كل محاولات لجم حروبنا فشلت، وستفشل، لأننا شعب لا يتعلّم. وأما حضارتنا التي تمتد إلى ستة آلاف سنة، فقد دسناها بالأرجل منذ زمن بعيد.
المضحك الوحيد هو الكلام البذيء الذي تتفوه به سيدات، والإيحاءات الجنسية. هذا ما أضحك الناس المكبوتين فعلاً، علماً انني لم أجده ضرورياً في الفيلم. فالنساء لا يتحدثن هكذا في محيطنا. ولا أعلم ما هي ضرورة التعميم بهذه الطريقة المسيئة أمام العالم الذي شاهد الفيلم.
ثمة في الفيلم عبرة لمن يعتبر، لكني لا أعتقد اننا شعب يعتبر، أضف إلى ذلك عدم وجود دولة قوية، قادرة وفاعلة، تفرض عدم تجدد الحروب الأهلية العبثية. وما بين هذا وذاك يبقى الأمل، ولو ضعيفاً، موجوداً ومعه يصبح القول "تصبحون على وطن".
ملاحظة: كنت خجولاً من القول أمام أصدقاء انني لم أشاهد هذا الفيلم بعد، ولكن بعد ذلك، قلت في نفسي "هذا جيد ولمصلحتي، حتى لا أمضي بعكس التيار، فالدعاية القوية للفيلم جعلت اللبنانيين معجبين به ولو من دون مشاهدة، وجعلت الكلام غير الإيجابي فيه شبه محرّم".

