هناك مدن كانت وما تزال تتمتع بصفة «مركزية». صفة نالتها لأسباب عديدة، منها قدرتها على استيعاب أماكن السهر وحياة الليل، إضافة إلى توفيرها نوعاً من الراحة الحياتية للشبان وللشابات الذين يأتون للإقامة والدراسة في معاهدها. الأمر الذي حوّل هذه المدن إلى مركز للحراك الشبابي، في وجوهه السياسية والثقافية والاجتماعية، وذلك رغم الاحتلال والحصار والظروف الحياتية التي يعيشها ويعاني منها الشباب الفلسطيني بشكل عام.
كيف يقضي الشباب الفلسطيني أوقاته ليلاً في القدس، حيفا، رام الله وغزة؟ ما هي الأماكن التي يسهر فيها؟ هل يختار الأماكن ذات الكثافة الفلسطينية، كما هي الحال في حيفا والقدس مثلا؟ أم تبقى البيوت هي الحلّ الأفضل نظراً للحصار وللظروف الاقتصادية؟
في حيفا، يجتمع معظم الشـباب الفلسطــيني للسـهر في جـادة الكرمل – الحيّ الألماني، وهو شارع يمـتلأ بالمقاهي والمطاعـم التي تعــود ملكـيتها في معظمها لفلسطيـنيين، وكـان أول مقهى فيه مقهى «فتوش» الذي افتتح في العام 1998. قبل ذلك لم يكن مألوفـاً هذا الـجوّ من الســهر في حـيفا. أما اليوم، فقد أصبح «فتوش» ملتقى الأصدقاء والعروض الثقافية والموسيقية ومعارض الفنون التشكيلية. «أحـبّ أن أقــضي أوقاتـي هنا، لأني أشعر أني في البيت، بسبب الناس والموسيقى والديكور»، تقول جانــيت (26 عاماً) من حيفا.
وبرغم تنوع المقاهي في جادة الكرمل، إلا أنها تتــشابه بـعض الـشيء. أما الشـباب الفلسطـيني فيجد نفسـه أكثر في الأماكن ذات الهويـة العربية. يختار الأقرب إلى انتمائه، كما «إليكا» أيضاً، وهو «فنّ مقهى – بار» صغير المساحة في سفح جبل الكرمل، في منطقة يسكنها الشباب وطلبة الجامعة.
«أحبّ إليكا لأني لا أرتاح بشرب البيرة إلا بين ناسي»، يشرح فراس نعامنة (23 عاماً) من عرابة البطوف في الجليل الفلسطيني. ويختار الطالب أن يقضي وقته في «إليكا»، لأنه يستمع فيه إلى الموسيقى التي يحبّها، ويتبادل الأحاديث مع من يلتقيهم هناك. «الحكي في إليكا بكون إله طعمة ثانية»، يقول فراس.
في أحد مقاهي رام الله، مجموعة من الفتيات القادمات من مناطق مختلفة في فلسطين. «بدأ تواجد المقاهي والمطاعم وقبولها اجتماعياً بين الناس هنا تقريباً في العام 1996، أي بعد أوسلو»، تفصح إحداهن أن رام الله أصبحت منذ ذاك الوقت مدينة جاذبة للشبان والشابات، من كافة أنحاء فلسطين المحتلة لقضاء أوقات السهر.
«أفضّل أن أقضي وقت السهر في البيت، مع أصدقاء توطدت علاقتي بهم هنا»، يقول أحمد (25 عاماً) القادم من منطقة الخليل والمقيم في رام الله. والسبب؟ يرى أحمد أن جزءاً من هذه الاختيارات جاء بسبب غلاء المعيشة والأسعار السياحية بالنسبة للمواطن العادي صاحب الدخل المحدود. أما المكان المفضل بالنسبة إليه فهو «القهوة العربية»، لكنه يعتبر أنها تختلف عن الأجواء الغربية المسيطرة على البلد والتي يطمح العديد من الشباب إلى عيشها. هذه الأجواء يعتبرها نتاج المؤسسات الحكومية وغير الحكومية المتمركزة في رام الله.
تستقطب مدينة القدس بدورها عدداً كبيراً من الشباب الفلسطيني القادم من مختلف الأراضي المحتلة عام 1948، وذلك بهدف الدراسة في الجامعة. يقضي الشباب معظم أوقاته ما بين الدراسة ومقهى الجامعة، أما الوقت المتبقي ففي القدس الشرقية. «هاي مش بيروت»، يقول علاء أبو دياب (29 عاماً) من مدينة القدس. ويضيف: «لدينا 4 بارات في شارع واحد في منطقة الشيخ جراح في القدس الشرقية». ويرى أن مجتمع القدس هو مجتمع محافظ أولا، كما أن هناك 1 في المئة فقط من سكان القدس يسهرون في هذه البارات، لأسباب متعلقة بغلاء المعيشة من جهة والجو الاجتماعي من جهة أخرى.
يختار علاء أحد مقاهي الشيخ جراح للسهر فيه. عن هذا المكان يقول: «هو عبارة عن بيت فلسطيني قديم. أستمع فيه إلى موسيقى جيدة، وطعامه جيد كذلك. والأهم، يمكن لي هنا أن ألتقي بالـ1% من الناس الذين يسهرون في القدس».
للمدينة المحاصرة وضع يختلف عن سواها من مدن فلسطين. بشار لبّد (23 عاماً) يقول إن الشباب في غزة أصبحوا مثقلين بهموم التعليم والبطالة وغلاء الأسعار والمهور والإيجار، والسهرات الشبابية صارت هي المتنفس الوحيد الذي يمكن أن يجمع العائلة والأصدقاء عند المساء. «السهرات تطول في غزة، لأن النهار التالي ربما يكون مثل الذي سبقه بالنسبة لفئة كثيرة من الشباب»، يقول بشار.
يقضي بشار بعض سهراته في احــتساء القهـوة في مقهـى يجتمع فيه مع بعض أصدقائه. أما أحاديثهم فلا تتجاوز مناقشة حال الشباب ومشاكلهم. وبما أن لا مساحة واسعة في غزة لقضاء سهرة ما خارج البيت، فإن اللقاء مع الأصدقاء والعائلة ينحصر غالباً حول فنجان قهوة ونارجيلة في المنزل، وذلك خلال الــحديث عن الظــروف السياسية والاقتــصادية التي يعيشها الناس في غزة. «يعني بنندب حظنا على فنجان قهوة»، يقول بشار.
كلّ مدينة تحمل طابعها. هنالك أماكن في حيفا تشبه أماكن في رام الله وأخرى في غزة. أماكن تبقى بالنسبة للشباب الفلسطيني بمثابة متنفس من كلّ ما تحمله وستحمله إليهم الحياة على هذه الأرض.. إلى أن يذهب ابن غزّة للسهر في حيفا يوماً ما.

