الموارنة: ما هذا السرّ؟

حازم صغية

منذ أشهر قليلة تتواصل الحملة الضارية على ثلاثة شخصيّات لبنانيّة عامّة تجري أبلستها بحدّة ولؤم وعلى أوسع نطاق:

 

– ميشال سليمان، رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الذي انتهت ولايته قبل أيّام، لأنّه قال إنّ لغة حزب الله ومقاومته خشبيّة، وقرّر، بعد طول تأخّر، تحييد لبنان من خلال “إعلان بعبدا”، والدفاع عن المبدأ السياديّ الأساسيّ القائل باستحالة التعايش بين سلاح الدولة الشرعيّ وأيّ سلاح آخر.

 

– سمير جعجع، قائد حزب “القوّات اللبنانيّة”، لترشّحه إلى منصب رئاسة الجمهوريّة. هكذا رُسمت له صورة الشرير الأوحد وسط جنّة من الملائكة.

 

– البطريرك بشارة الراعي لمشاركته بابا الفاتيكان زيارته إلى “الأراضي المقدّسة”، أي ما اعتبره شاتموه “تطبيعاً مع العدوّ الإسرائيليّ”.

وقد تكون هناك ملاحظات كثيرة على الثلاثة، إلاّ أنّ ما استوجب هذا الهجوم التشهيريّ عليهم، والذي تلاحق تباعاً، هو أنّهم أصحاب قرار مستقلّ عن الغرفة السوداء للتحالف العريض الملتفّ حول نظام بشّار الأسد. والالتفاف، في هذه الحال، قد يعني الارتباط العضويّ بالنظام السوريّ، وصولاً إلى مشاركته حربه المتوحّشة على شعبه، وقد يعني شراكته في النظرة السياسيّة والإيديولوجيّة للأمور والأولويّات “القوميّة”.

 

لكنْ أن يجمع بين الثلاثة المذكورين كونهم ينتسبون إلى الطائفة المارونيّة، فهذا ما يذكّر بواقع وبواقعة:

أمّا الواقع فأنّ الطائفة المذكورة، ومن بين سائر الطوائف اللبنانيّة، المسيحيّة منها والمسلمة، كانت دائماً الأكثر تشدّداً في أمر القرار الوطنيّ اللبنانيّ المستقلّ ودفاعاً عنه. وهذا إنّما يرجع إلى أسباب تاريخيّة وثقافيّة جعلت الموارنة أكثر اللبنانيّين تماهياً مع الكيان.

 

وأمّا الواقعة، وهي متفرّعة عن ذاك الواقع، فأنّ النظام السوريّ، منذ عهد حافظ الأسد، إنّما اتّبع، وعلى نحو منهجيّ، سياسة كسر العمود الفقريّ للموارنة، مدركاً أنّه بهذا يكسر العمود الفقريّ للوطنيّة اللبنانيّة وقرارها المستقلّ. وكلّنا يذكر أنّ سنوات مديدة من عهد الوصاية ترافقت مع حرمان هذه الطائفة من سائر ممثّليها.

 

 

ففي وقت واحد كان ريمون إدّه وأمين الجميّل وميشال عون في المنفى الفرنسيّ، فيما كان سمير جعجع في السجن.

 

فلم يكن بلا دلالة، في ظلّ هذا التبديد السياسيّ، أن البطريرك المارونيّ السابق نصر الله صفير، هو الذي اضطلع بالمبادرة إلى بلورة المعارضة اللبنانيّة لعهد الوصاية، قبل أن ينضمّ إليه، مباشرة أو مداورة، وليد جنبلاط ورفيق الحريري.

 

وقصارى القول إنّ الحملة التي طالت سليمان وجعجع والراعي هي آخر تعابير الموقف الممانع من الموارنة، وتالياً من لبنان وحقّه في قراره. وهو موقف، للمفارقة، صادر عن البيئة نفسها التي تتبجّح بحماية الأقليّات وصونها!

السابق
الخيار الوحيد لدى السوريين هو الولاء للنظام أو المعارضة
التالي
’المارونوفوبيا’ جهاز كشف الممانعة ’الأقلوية’