بين ليلةٍ وضحاها، “قلب” الشيخ سعد الحريري “عونيا”. وصار الجنرال ميشال عون يحب المملكة العربية السعودية وانتقل من موقعه الصداميّ الحادّ إلى موقع “توافقي” وهادئ. قرأ النائب بطرس حرب “رسالة الغفران” وأدرك فجأةً أنّ أفضل ما يمكنه القيام به هو “العفو عمّا مضى”.
منذ فترةٍ قريبة أيضاً، صار مسؤول وحدة التنسيق والارتباط في “حزب الله” وفيق صفا مرجعاً أمنياً للدولة اللّبنانية وصارت الزيارات التطبيعية إلى إسرائيل مصلحة وطنية. وإن كان رئيس الحزب التقدمي وليد جنبلاط صريحاً في تقلّباته السياسية لما يتناسب مع مصلحته بعيداً عن الشعارات، فإنّ السياسيين اللّبنانيين لا يريدون أن تعترفوا أنّهم جميعاً بطريقة أو بأخرى “جنبلاطيون”.
وقد يكون ضرورياً أن تكون السياسة “براغماتية” فهي في باطنها فنّ الكذب والتلاعب بالخصوم والأصدقاء معاً. ولكن ما ليس مفهوماً هو هذا الانسياق الشعبي وراء الزعماء ونزواتهم وتبرير أخطائهم غير مدركين أنّهم ليسوا أكثر من أحجار “دومينو” في هذه اللّعبة المقيتة.
يلجأ مناصرو الزعيم، بمختلف أطيافهم، إلى تبرير التغييرات المفاجئة للزعماء وتحليلها وإعطائها أبعاد خيالية أحياناً. فمن المسموح أن يجلس الحاج صفا مع القادة الأمنيين لأنّ الوزير نهاد المشنوق “غيّور” على أهل الطفيل. ويجوز أن يصبح عون حليفاً لأنّه عارض النظام السوري في إحدى محطات حياته. ولم تعد السعودية بالنسبة إلى العونيين شبحاً مخيفاً بل ربما تصبح غداً “مملكة الخير والاعتدال”.
لا ريب أنّ غالبية القواعد الشعبية للزعماء السياسيين تجد معظم الأحيان المبرّرات لتقلّب السياسيين الّذين تدعمهم، فولاؤهم السياسي ليس مرتبطاً بمشروع أو رؤية استراتيجية لمستقبل الوطن بل باعتبارات طائفية ومصالح صغيرة ورغبة غير مفهومة بالتبعية.
وربما تنمّ هذه الرغبة عن كسل الشعوب ومخاوفهم وعدم استعدادهم للتفكير خارج الجماعة لما للأمر من تبعات وربما أحياناً عن سذاجة يخلقها الجهل والعيش في قوقعة صغيرة غير منفتحة على الآخر.
ربما تعتب القاعدة الشعبية على الحريري قليلاً لأنّه “زعّل” الحكيم صاحب المبدأ “ولكن لقد حاول دعمه حتّى النهاية”. وربما يجلس مناصرو “القوات اللبنانية منشدين” أغينة “حطّ صحابك بالغربال، صحابك لو بتغربلهم”. وبما نستيقظ غداً على معادلات مختلفة تماماً وألحاناً أخرى ونجد لها “الفتاوى الشرعية” والمبررات ونظن أنّها خلف طيّات فهمنا.
“وَلو، كلنا محللين سياسيين ومنلقطها وهيّ طايرة”، إلا أنّه فيما يخصّ المسائل الوطنية والقضايا التي ينبغي أن تكون همّاً أساسياً، نجلس في الزاوية نلطم ونستجدي التغيير من دون أن نسعى له: “كل شي بدنا نعمله نحنا! شو فهّمنا بالزراعة؟”.




