كيف ينظر المسلمون إلى كلام جعجع؟

رأت أوساط سياسيّة مراقبة أنّ الكلمة التي ألقاها الدكتور سمير جعجع في مناسبة ذكرى شهداء "المقاومة اللبنانية" شكّلت تأكيدا إضافيّا على الثوابت التي دأب جعجع على إعلانها في كلّ مناسبة ومحطة، مع تركيزه هذه المرّة على البعد المسيحيّ الذي فرض نفسه نتيجة مواقف البطريرك المارونيّ والثورات العربية التي أعادت الحديث عن مسألة الأقلّيات.

وتابعت المصادر: "إنّ جعجع أعاد في الاحتفال الى أذهان اللبنانيّين أنّ الميليشيا العسكرية القديمة الاكثر تنظيما في الشارع المسيحيّ تمكّنت من فرض نفسها هذه المرّة ايضا على انّها الحلقة الاقوى في الساحة المسيحيّة والرقم الصعب في كلّ المعادلات، إنّما انطلاقا من البعد السياسي والتجربة الحزبية".

أمّا الأوساط غير المؤيّدة للخطاب فاعتبرت كعادتها أنّ رئيس حزب القوّات يُمعن في شرذمة المسيحيّين، كما رأت في كلمته تهديدا بالعودة الى حمل السلاح والتسلّح باستعماله مرارا عبارة "سنتدبّر أمرنا" وتكراره الذهاب الى "حيث لا يجرؤ الآخرون".

أمّا أوساط الرابع عشر من آذار فقد ردّت التحيّة لرئيس حزب القوات بردّها على التعليقات المنتقدة لعبارة جعجع متسائلة كيف تجرّأ، على سبيل المثال، السيّد حسن نصرالله عندما هدّد في خطاباته اللبنانيّين في قوله "سنقطع اليد التي تمتدّ الى سلاح المقاومة"؟

وذكّرت هذه الاوساط اللبنانيّين بالذي حصل عمليّا في أيّار وفي الجبل بالذات، وتهديداته التي دفعت بوليد جنبلاط وربّما غيره من فاعليّات سياسيّة وربّما دينية الى التخلّي عن مواقعهم في آذار لسلوك درب الجلجلة.

وفي تقييم واقعيّ لكلمة الدكتور جعجع، قال مراقبون إنّها كانت كلمة جيّدة، صارمة وصادقة، تضمّنت وثائق وحقائق تاريخيّة، ورأت انّ مصطلح "ندبّر أمرنا" لا يعني العودة إلى التسلّح، إنّما مواجهة الواقع بالكلمة والموقف والحوار والعودة الى وثائق التاريخ، فالوقائع التاريخية التي ذكرها جعجع صحيحة والتشخيص واقعي، وقد وضع الجميع أمام مسؤوليّاتهم الضميرية والوطنية والقانونية. أمّا النبرة التي اعتمدها جعجع، فاعتبرت الأوساط المراقبة نفسها "انّها كانت هادئة وصارمة في آن معا، ولم يكن فيها تحدٍّ بعكس ما تراءى للبعض الذين يجهلون القراءة السياسية، فنبرة جعجع ورسائله ارسلت بكلّ لباقة وكبرياء". ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه بعد كلام البطريرك المارونيّ وما أثاره من ردود فعل داخل الشارع السنّي: كيف يقرأ المسلمون كلمة سمير جعجع؟

النائب نهاد المشنوق أشار الى انّه لن يقيّم كلمة الدكتور جعجع كمسلم سنّي فقط، بل كلبناني، ملاحظا أنّه يمكن تقسيم هذه الكلمة الى اربعة اقسام: القسم الاوّل مفيد وضروريّ بغية تذكير اللبنانيّين بالفضل الكبير لـ"شخص" البطريرك صفير والدور الذي لعبه في استرجاع الاستقلال واستعادة الحرّية والسيادة، وهو الذي بدأ عمليّا مع النداء الذي اطلقه سنة 2000، فكانت المناسبة مفيدة ورائعة من حيث تقديم العرفان والتكريم الشعبيّ له وبالطريقة التي تمّ فيها هذا التكريم، وبما احيطت من اهتمام، وردّ الفعل الرائع بمجرّد ذكر اسمه هو شيء يؤكّد انّ اللبنانيّين لم ينسوا الخطوة التأسيسيّة التي قام بها هذا البطريرك العظيم.
 
أمّا الجزء الثاني فيتعلق بالانتماء الى الربيع العربي، إذ إنّ المصالحة التي تناولها الدكتور جعجع، وبما يمثل في محيطه، في موازاة العنوان الفلسطيني وتأييده للدور الفلسطيني ولحركة الرئيس عباس في الامم المتحدة، تخلق جوّا ايجابيّا وخطوة كبيرة نحو المصالحة بين البيئة التي يمثلها الدكتور جعجع وبين الفلسطينيّين فضلا عن انّ الخطوة الكبيرة هي في المصالحة التي تحدّث عنها جعجع مع كلّ حركات التغييرفي العالم العربي، وخصوصا بعد الكلام الذي قاله البطريرك الراعي في سوريا وتخوّفاته غير المنطقية التي أدلى بها.

وفي الجزء الثالث جواب جعجع كان محدّدا، واضحا، صريحا وشجاعا، وردّ على الاوهام التي تحاول ان تزيد من تقوقع المسيحيّين لصالح الانفتاح على الاكثرية العربية، وهي بالاساس المحيط الطبيعي والشرعي لوجود المسيحيّين في الشرق. وقد تكلّم عن ضرورة الخروج من عقدة العراق بعد ما حدث مع المسيحيّين، وما حصل عمليّا تمّ في ظلّ الاحتلال الاميركي وفي ظلّ نظام دولة الوصاية على النظام في العراق آنذاك وهو النظام الإيراني، وبالتالي كلام الدكتور جعجع في هذا السياق كان جيّدا للخروج من هذه العقدة. أمّا في الجزء الرابع، فتناول الحكومة وحزب الله، وما قيل في هذا السياق لم يكن اساسيّا بما فيه الكفاية، كما أنّه لم يوازِ من حيث الاهمّية الاجزاء الثلاثة التي سبقته إن على مستوى المضمون او الشكل". وعن السُنّة في لبنان، ختم المشنوق: "إنّ السُنّة في لبنان ليس لديهم مرض يريدون الشفاء منه، بل عندهم شكوى من اتّهامهم بما ليس فيهم من تطرّف واحتمالات تحالف مع تطرّف آخر موجود في سوريا او في ايّ بلد عربي آخر، وشكواهم هذه يفهمها معنا الدكتور جعجع وقد اجاب عنها في خطابه الاخير".

أمّا النائب احمد فتفت فرأى انّ قدّاس الشهداء الذي اقيم في الملعب البلدي في جونية كان من المفروض ان يكون احتفالا لشهداء القوّات اللبنانية، لكنه من حيث الشكل ومع الصوَر التي وضعت لكلّ شهداء 14 آذار تحوّل هذا الاحتفال من مناسبة حزبية خاصة الى مناسبة وطنية تجمع كلّ الشهداء الذين استشهدوا دفاعا عن لبنان وإن كانوا في الماضي في مواقع مختلفة احيانا وفي مواقع متصادمة نوعا ما، انّما الذي جمعهم هو رؤية هذا البلد يتحوّل الى بلد حقيقي. أمّا بالنسبة إلى كلمة الدكتور سمير جعجع فاعتبر أنّه يمكن تقسيمها الى عدّة أطر. وأضاف: "كانت هناك رسائل محلّية داخلية، ورسائل عربيّة وأخرى دولية لجهة دور لبنان، إنّما الأهم هو ظهور جعجع، كعادته، رجل دولة صريح وصادق ويعبّر فعلا عمّا يؤمن به حقيقة بعد معاناة طويلة مع الوضع السياسي القائم. وأمّا الرسالة التي وجّهها فكانت شديدة الوضوح، بيدَ أنّ اهمّ ما قاله واستوقفني مليّا عبارة "حين أصبح الشرق يشبهنا أصبحنا لا نريد ما يشبهنا"، وهي رسالة سياسيّة عميقة بدلالاتها ورمزيتها، بمعنى انّ الحضور المسيحيّ في الشرق كان دائما حضورا متقدّما وهو حضور يعبّر عن انفتاح ثقافيّ واجتماعيّ وعلميّ وسياسي بكلّ ما تمثل السياسة بالنسبة إلى المسيحيّين لجهة قيم الحرّية والديموقراطية، وبالتالي عندما لا يصبح هذا الوجود المسيحيّ يعبر عن هذه القيم لا يعود له طعم ولا معنى ولا تأثير".

ورأى فتفت "انّه باستثناء ما تقدّم، كلّ ما قيل هو جزء لا يتجزّأ من الأدبيات الـ 14 آذارية بدءا من السلاح الى موضوع المحكمة الدولية والانتفاضة السورية، أي إنّها مواقف مشتركة لكلّ قوى 14 آذار".

أمّا عن التحفّظ الملحوظ الذي يبديه بعض السُنّة في لبنان من تحالفهم مع رئيس حزب القوات الدكتور سمير جعجع، وخصوصا نوّاب السُنّة في دائرة الشمال، أجاب فتفت: "هذا الكلام سخيف نسمعه منذ سنوات عديدة، وأكبر دليل على عدم صحّة هذا الكلام أنّ النائب ستريدا جعجع نالت في منطقة الضنّية عكّار أصواتا أكثر منّي، في وقت كان ما يزال فيه الدكتور جعجع في السجن، وبالتالي ما قاله جعجع جاء ليؤكّد على الشراكة المسيحيّة-الإسلاميّة التي توّجت في انتفاضة الاستقلال". وهل اعتقاد فتفت أنّ هذا الوثوق السُنّي بجعجع قد لعب دورا كبيرا في تطوير الفكر السياسي والخطاب السياسي الجديد للدكتور جعجع، أجاب: "هناك نقطة واحدة نعلمها جميعا بالنسبة الى طرابلس وقد تمّ تجاوزها بعد الذي نشر مؤخّرا عن قضيّة استشهاد الرئيس رشيد كرامي"، مفضّلا عدم الاسترسال في الموضوع، ولكنّه جدّد التأكيد "أنّ بعد الذي نُشر أصبح هناك علامات استفهام في قضيّة استشهاد الرئيس رشيد كرامي". وختم فتفت: "شكّلَت كلمة الدكتور جعجع تقييما مهمّا ومتقدّما، وأعود لأكرّر بأنّ كلمته لا تعبّر فقط عن القوّاتيين أو المسيحيّين إنّما عن كلّ مكوّنات 14 آذار". 

السابق
البناء: حردان يؤكد ان زيارة البطريرك إلى الجنوب ولقاء دار الفتوى عزّزا الخطاب الانفتاحي والوحدة الوطنية
التالي
الاخبار: ميقاتي..عدم تمويل المحكـمة يخدم إسرائيل