شكلت زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان أمس للديمان محطة سياسية بارزة في تتويج الأصداء الواسعة التي أثارتها مواقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي خلال زيارته لفرنسا الاسبوع الماضي والتي استمرت مضاعفاتها للأسبوع الثاني تواليا.
وعلى رغم تجنبه التعليق "على ما قاله هذا او ذاك" ممن انتقدوا أو أيدوا مواقف البطريرك الراعي، لم يترك الرئيس سليمان أدنى شك في دعمه القوي لمواقف البطريرك، الامر الذي فسرته اوساط سياسية معنية بأنه بمثابة رمي لثقل رئاسة الجمهورية بجانب الراعي، مما يستتبع سحب هذه العاصفة من التداول. بل ان هذه الاوساط ذهبت أبعد في اعتبارها الدعم العلني الذي حرص رئيس الجمهورية على صوغ عباراته بدقة، رداً مزدوجاً على بعض المواقف الخارجية التي انتقدت الراعي والمواقف الداخلية التي لم يتوقف بعضها عند حدود التوضيحات التي صدرت عن البطريرك لمواقفه.
وأشارت الى ان الرئيس سليمان لم يعلن هذا الدعم على سبيل زيادة الفرز السياسي في البلاد، بل انه كان على علم بتطورات مريحة حصلت في الايام الاخيرة وبددت الكثير من أجواء الاحتقان التي أثارتها ردود الفعل على مواقف الراعي، لكنه شاء تسجيل موقف مبدئي شكّل رسالة سياسية تبنى فيها جوهر المواقف التي أطلقها الراعي بعدما شرحها له البطريرك ولم يكن هناك أي تعارض بينهما في شأنها. ونفت ان يكون موقف سليمان مؤشرا "لأي شيء آخر، على غرار الكلام على تحالفات سياسية معينة، معيدة الى الاذهان ايضا صلابة العلاقة بين سليمان والراعي.
وقد أعلن رئيس الجمهورية عقب خلوة ثلاثية ضمته والراعي والكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في الديمان، ان "البطريرك الراعي ليس في حاجة الى من يدافع عنه وأن النقاشات التي حصلت دليل على نجاح زيارته لفرنسا". وأضاف: "انا متأكد من أن مواقف البطريرك لا تخضع للسياسة او للتوظيف السياسي فهي تنبع من دوره المهم كمسؤول عن مسيحيي لبنان والشرق الاوسط، وعن استقلال لبنان وسيادته وهو الدور القديم المتلازم مع دور بكركي". وأوضح ان البطريرك "قدم طرحا متكاملا في مصلحة لبنان أمام السلطات الفرنسية (…) ونجح في نقل الهواجس الى هذه السلطات".
وفي ما يعد تبنياً لهذه الهواجس لفت سليمان الى أن "البطريرك قال بوجود خطر على مسيحيي الشرق ومخطط لتقسيم الشرق الاوسط دويلات مذهبية وخطر اسرائيلي يتمثل بالاعتداءات المتكررة والاطماع وخطر التوطين ونحن يكفينا من غبطته اثارة هذه المواضيع الاربعة".
ويشار الى ان الخلوة الثلاثية انعقدت على هامش مشاركة الرئيس سليمان في قداس أقيم في حديقة البطاركة في الديمان حيث غرس كل من الرئيس والبطريرك الراعي والكاردينال صفير شجرة من اللزاب تحمل اسمه.
ويقوم رئيس الوزراء نجيب ميقاتي بدوره بزيارة للديمان قبل ظهر اليوم في تقليد اتبع سنويا منذ ولاية البطريرك صفير. وقالت مصادر مواكبة للتحضيرات التي سبقت الزيارة لـ"النهار"، ان جلسة عمل مفصلة وشاملة ستعقد بين ميقاتي والراعي وعدد من المطارنة الموارنة يتخللها بحث في التطورات السياسية والشؤون الوطنية، وكذلك الوضع الاقتصادي والاجتماعي وصولا الى الهواجس المسيحية ومنها قضايا تملُّك الأجانب، وبيع الاراضي والتجنيس، الى قانون الانتخاب، مع العلم أن الراعي يولي هذا القانون اهتماما ملحوظا وقد دعا القيادات المسيحية الى اجتماع في 23 ايلول في بكركي للبحث في تصور مسيحي موحد حياله.
وأكدت أمس مصادر بارزة في "القوات اللبنانية" انه لن تكون ثمة أي مشكلة في المشاركة في اجتماع بكركي بعد زوال "غيمة الصيف" التي أثارتها مواقف البطريرك والردود عليها في ضوء توضيحات الراعي، معتبرة أن "البطريرك عاد الى ثوابت بكركي".
الكهرباء
في ظل هذه الأجواء، تنشغل الأوساط النيابية والوزارية بملفي خطة الكهرباء وتمويل حصة لبنان من موازنة المحكمة الخاصة. وعلم أن مجلس الوزراء سيعقد جلستين الأسبوع المقبل في السرايا، الأولى بعد ظهر الاثنين والثانية بعد ظهر الأربعاء. كما تعقد اللجنة الوزارية المكلفة تعديل قانون الكهرباء اجتماعها الأول عصر الثلثاء المقبل برئاسة رئيس الوزراء.
وكانت الجلسة التي عقدتها اللجان النيابية المشتركة أمس لمناقشة مشروع القانون الحكومي لخطة الكهرباء شهدت نقاشات حادة بين نواب المعارضة والأكثرية، الأمر الذي حال دون اقرار المشروع في الجلسة الأولى كما كان نواب الموالاة ووزير الطاقة والمياه جبران باسيل يأملون.
وخاضت اللجان طوال أكثر من خمس ساعات في نقاش حاد تناوب خلاله على الكلام 18 نائباً، وساق نواب المعارضة اعترافات تركزت على خلو الخطة من أي تصور تفصيلي ومسألة التمويل ومصادره. وارجئت الجلسة الى الاثنين المقبل.
التمويل
أما في موضوع تمويل المحكمة الخاصة بلبنان، فقد علمت "النهار" أن ثمة تفاهماً ضمنياً بين المسؤولين على ايفاء ما يتوجب على لبنان في موازنة المحكمة بعدما تبلغوا صراحة من أكثر من جهة دولية معنية، أن أي تلكؤ في الوفاء بالتزامات لبنان سيعرضه لعقوبات يخشى أن تطاول قطاعه المصرفي. وأفادت المعلومات أن ميقاتي لم يكن وحده من تبلغ هذه المعطيات أو الرسالة الواضحة لدى مشاركته في المؤتمر الدولي حول ليبيا في باريس، بل وصلت أيضاً الى الرئيسين سليمان وبري وسائر المعنيين، وحتى "حزب الله" بات مدركاً خطورة أبعاد هذه الرسالة. ولم تستبعد المعلومات صرف المستحقات المتوجبة على لبنان للمحكمة بسلفة خزينة قد تحول الى وزارة الخارجية بعد عودة الرئيس ميقاتي من نيويورك أواخر الشهر الجاري.
وفي هذا السياق صرح الناطق باسم المحكمة الخاصة بلبنان مارتن يوسف أمس لـ"النهار"، رداً على سؤال عن موضوع التمويل: "إن ما يخصنا هو بالنسبة الى سنة 2011. فهناك نسبة 70 في المئة من هذه المتوجبات لم يدفعها لبنان في القسم المتعلق به في تمويل المحكمة والمحدد بـ 49 في المئة". وأضاف: "نحن واثقون من وعود رئيس الحكومة نجيب ميقاتي. صحيح ان هناك دولاً أخرى تساهم في تمويل المحكمة إلا أن ذلك لا يعني اننا لا ننتظر مساهمة لبنان".
وفي الإطار نفسه، نفى أمس كل من النائبين مروان حماده وجورج عدوان ومنسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد في تصريحات لـ"النهار"، أيَّ اتجاه لدى هذه القوى الى تقديم اقتراح قانون الى مجلس النواب لتمويل المحكمة. وشددوا على ان هذه القوى تحمّل الحكومة مسؤولية تمويل المحكمة وتنفيذ الالتزامات الدولية.

