ما لا تقوله المذكرة البطريركية

يبدو افضل ما في “المذكرة الوطنية” التي اصدرها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي هو ما لم تقله مباشرة وافصحت عنه ضمنا في المبادئ والمسلمات التي تضمنتها. في البعد الموضوعي لهذه المذكرة لا يمكن التنكر لواقع اعادة تصويب الموقف البطريركي بما ينسجم مع المبادئ التاريخية لبكركي من الركائز الاساسية للكيان اللبناني.

جاءت المذكرة وفية تماما لخط الاسلاف اذا كان معيار النظرة اليها يرتكز الى الخط البياني الذي يحكم عهود البطاركة المتعاقبين. وهي ليست نقطة عابرة في رصد “سياسات” البطريرك الراعي ومواقفه التي اثارت وما تزال تثير الجدل، وما يفوق الجدل، منذ اعتلائه السدة البطريركية خصوصا في ظل موقفه من الازمة السورية الذي اشعل مناهضة حادة له داخل الطوائف المسيحية نفسها ولدى طوائف اخرى. ومع ان المذكرة قد لا تبدد اكبر سوء تفاهم بين البطريرك ومناهضيه لهذه الناحية، فإن اعلاء الصوت حيال حياد لبنان وحصرية سلطة الدولة والسلاح الشرعي وازنت هذا الجانب الشديد الحساسية.
الاهم ان اصدار المذكرة في توقيتها الحالي عكس ادراك بكركي بان الاوان قد حان لخروجها من دوامة “اللاتأثير” التي تركت آثارا شديدة السلبية عليها، وعلى المسيحيين عموما، وخرجت عليهم وعلى الطوائف الاخرى بما تمتلكه بمعزل عما اذا كانت المذكرة ستتمكن من احداث مسار مغاير. ليس ثمة اوهام في ان بكركي ولمجرد اشهارها هذه المذكرة ستقلب ظهر المجن في ازمة بلغت ذروة تعقيداتها الداخلية والخارجية. واذا لم يعد لدى بكركي من وسيلة لمحاولة التأثير على الوضع الذاهب بقوة مخيفة الى اشد الازمات خطورة بعد سوى هذه المذكرة، فإن ذلك وحده كاف للاضاءة على عجزها هي الاخرى كمؤسسات الدولة تماما عن اعادة لملمة القوى المسيحية على مشارف الاستحقاق الرئاسي كما يتخبط النظام الدستوري اللبناني الآن ويهتز تحت وطأة الازمات.
ومع ذلك من غير المنطقي التعامل مع هذه المبادرة من زاوية تجاهل متحجرة او التنكر لما تتوسله في احداث تغيير يقلب مسار الفراغ ويعيد الانتظام على قاعدة مسلمات سيادية وميثاقية. هذا المنطق العبثي يبدو اشبه بدعوة الى الاستسلام لا اكثر ولا اقل. ثم ان مذكرة بكركي لا تزال متفردة بانها الوحيدة من نوعها التي ترفع منهجا يفترض ان يلزم حمى الاستحقاق الرئاسي بمسلمات ومبادئ قاطعة لئلا يفلت هذا الاستحقاق من اي ضبط مسيحي ذي مهابة على ما تشي المقدمات، وكأن لبنان يعيش ترف الديموقراطية الحرة او كأنه لا يرزح تحت اخطار العصف المذهبي. هكذا يوحي تماما معظم السلوكيات السياسية المسيحية بما يذكر بذهاب القادة المسيحيين الى مؤتمر الدوحة بعد ٧ ايار 2008 ولا حاجة الى نكء الذكرى…

السابق
أوساط بعبدا: الحكومة معرقلة و14 أذار مصرة على تولي ريفي للداخلية
التالي
«حزب الله» و«التيار»: 8 سنوات على التحالف.. تباينات ولا طلاق