لماذا محمد الشعار؟

إنفجار السيارة المفخّخة في ستاركو كان يستهدف شخصية مهمة، من معسكر 14 آذار. وكما في كل إنفجار، أو كل جريمة من هذا النوع، يكون إسم الشخصية هو محور الحدث؛ وبجانبه “عدد” من الذين تركوا الحياة، نتحسر عليهم، ولكننا لا نحفظ أسماءهم إلا إذا عرفناهم.

لكن هذه المرة هناك “ضحية” إستثنائية استحوذت على قلوب اللبنانيين، على تناقض معسكراتهم. انه الفتى محمد الشعار، الذي جاء نبأ وفاته بعد إثنتي عشرة ساعة من هذا الإنفجار، وبعد صلوات ليلية قضاها رفاقه من أجل إفلاته من قدره، فيما هو في غيبوبة… جاء نبأ وفاته مثل ضربة سكين في قلوبهم، هؤلاء اللبنانيين الذين يعيشون على الوتيرة الغيبية لمفاجآت الموت.

لماذا؟ لماذا حرق قلوبنا محمد الشعار؟ لماذا هو بالذات؟

لأننا عرفنا وجهه الضحوك، على شريط اليوتيوب فور وقوع الإنفجار. وفي هذا الشريط، يلهو كما يلهو المراهقون أبناء العائلات، يتصورون على طريقة “سيلفي”(selfie)، التي دخلت في قاموس رواد التصوير والبث المباشر على مواقع التواصل. ثم نعلم بعيد ذلك، بأن السيارة الصفراء الراكنة خلفهم مباشرة هي التي سوف تنفجر بعد دقائق قليلة، وترمي محمد على الرصيف، كما بان على الشاشة، في الدقائق الأولى من هذا الانفجار. تابعنا محمد عبر شاشة التلفزيون مرمياً على الرصيف، يتخبط بدمائه، بقميصه الأحمر؛ قبل ان نراه على اليوتيوب حياً مع رفاقه، بالقميص الأحمر نفسه. وبعد مشاهدته، تذهلنا القصة: أربعة شباب في عمر الورد، أربعة أصدقاء، أمامهم الحياة كلها بوسعها وإمتداد أفقها، وأحلام مؤكدة، صادقة، بريئة، ندية، جديدة. يلتقطون لحظة فرحهم هذه وخلفهم أداة جريمة عمياء، إختارت واحداً منهم…

لمحمد إذن قصة تروى، ووجه، وقميص أحمر…

عُمر محمد الشعار ورفاقه ست عشرة سنة: في ذاك العمر الواقع بين الوعي بالموت، وبين إستبعاده تماماً من دائرة الإحتمال. هكذا هم المراهقون؛ لا هم أطفال يمر الموت فوق وعيهم ويستقر في لا وعيهم. ولا هم راشدون يأخذون الموت بحكمة من أصيب بأحزانه، ووعى حتميته. حرقة رفاق محمد على رحيله، أضافت على لوعة اللبنانيين بمقتله، شحنة إضافية من الوجع. لم يتوقف رفاق محمد من التعبير عن حزنهم، لجأوا إلى الإعلام، أو استجابوا للجوئه إليهم. خاضوا المسيرات ورفعوا الشعارات عن وحدة الوطن، ونظموا ذكرى فقيدهم، ودعوا والديه، حملوا الورود البيضاء والحمراء، وعبروا عن يأسهم من البلاد، اليأس في هذا العمر، وقال بعضهم بالهجرة، كما يتكلم الكبار الذين نفذت طاقتهم على الحلم ببلد أكثر سوية.

ومع صورة محمد وحكايته، تأتي أمه ثم أبوه؛ ليس معلوماً بالضبط ما هو العمر الذي يتوجب على المرء أن يموت فيه. لكل واحد منا إجابة، بحسب إيمانه أو أمله أو نمط عيشه. بعضهم لن يجيبك أصلاً، فالأمر عنده قدر محتوم. لن يتفق أحد مع الآخر حول العمر المطلوب أو المرغوب للموت؛ ولكن كلهم سوف يجمعون على انه من غير الإنساني أن يموت المرء قبل والديه، وخصوصا والدته. فهذه نكبة وجودية لا شفاء منها. والدة محمد الثكلى رفضت أن يصور الإعلام ألمها على بكرها. الكاميرا خطفت منها وجهها وهي جالسة بالقرب من زوجها في الحفل الذي أقامته مدرسته لتذكره. أم محمد رغبت بأن لا تعرض فاجعتها. فكانت صورتها أقرب إلى الخيال الذي أطلقه شريط الفيديو لمحمد ورفاقه قبل الكارثة. وبهذا كان ألمها مضاعفاً، وألمنا معها. أن تفقده بهذا العمر أيضا فيه قدر إضافي من المأساة؛ في العمر الذي تتفتح فيه شخصيته، في العمر الذي يرسو بعيده على ما سوف يكونه كرجل… هو الآن تحت التراب. “يا تقبرني…”، تقول الأم لولدها. ولا شيء واقعيا، طبيعيا، منطقيا، أكثر من هذا الدعاء. هو حظها في الحياة أن تموت قبله. وغير ذلك عبث وشواذ… في بلاد الأرز.

ملاحظة: الفتاة ملاك زهوي، التي قضت في تفجير الضاحية، قد تكون لها قصة مختلفة، ولكن نداوتها والموت لا يستقيمان أبداً. هي رفيقة محمد الشعار في المصير، وفي الوطن البائس الواحد.

السابق
سليمان: هل يقتصر دور الرئيس على رفض تشكيلات يقترحها الرئيس المكلف؟
التالي
نعمان: المخرج من الفراغ هو تأليف حكومة وحدة وطنية