ينكشف لبنان يوميا على مزيد من التردي في أوضاعه الأمنية، ما يزيد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة والحكومة الجديدة التي يبدو أنها على قاب قوسين أو أدنى من مواجهة هذا الاستحقاق الخطير، ما يفرض إعادة النظر في كل المواقع الأمنية التي لم يظهر حتى الآن أن الحكومة تتعاطى معها بما تمليه عليها الظروف الاستثنائية، التي تعيشها البلاد، اللهم ما عدا مركز مدير عام الأمن العام الذي كان شاغرا بوفاة مديره السابق.
ما يجب التوقف عنده هو آخر الحوادث التي حصلت والمتمثل بعملية الهروب من سجن رومية وطبيعة الأشخاص الهاربين وانتماءاتهم السياسية التي تقول عنها مصادر أمنية إنها خطيرة جدا، ولا سيما انهم ينتمون الى مجموعة فتح الإسلام التي تربطها علاقة وطيدة مع تيار المستقبل المتحفز هذه الأيام الى خوض القلاقل الأمنية، مشيرة الى أن تزامن ذلك مع انكشاف عملية تهريب الأسلحة الى سورية، عبر بوابة سوليدير إنما يؤشر الى حجم النشاط الذي يديره حزب المستقبل ورئيسه سعد الحريري، على مستوى التحرك الأمني، ما يثبت أن قائد "المستقبل" يحاول ترجمة تهديداته الى أفعال قد لا تحمد عقباها في حال سُكِتَ عما يحاول هو وجماعته القيام به، وهو موجه أساسا الى صدر الحكومة واستمراريتها.
لم يعد خافيا على أحد نية فريق "14 آذار" أو الأقلية المعارضة الجديدة في توجيه
ضربة الى الحكومة بغية اسقاطها، وهم يعرفون أن لا سبيل الى ذلك سوى بتعكير صفو الأمن في البلد، ما ينتج منه اضطرابات تنعكس بضربة واحدة على الوضع الاقتصادي ولا سيما من خلال بوابة السياحة المضطربة أصلا بفعل التوترات على الساحة العربية.
لا بد للحكومة الحالية أن تتصرف سريعا، وقبل فوات الأوان، وذلك بالتقدم خطوة على صعيد إعادة تشكيل الأسلاك الأمنية برمتها، ثم بعدها السلك القضائي بما يتناسب مع حجم الاستحقاقات التي يواجهها لبنان على المستوى الأمني من إغفال لكون عملاء "إسرائيل" ما زالوا ينشطون في أكثر من مجال لجمع المعلومات بغية توظيفها في ضرب أسس الدولة عند أول منعطف، وهو الأمر الذي لّمحت اليه مصادر دبلوماسية غربية منذ أيام، متوقعة أن تلجأ "إسرائيل" الى عملية عسكرية في لبنان لتغيير قواعد اللعبة، وضرب بناه التحتية التي صارت الدولة العبرية تعرف كل تفصيلاتها.
طرح الملف الأمني من زاوية حزب المستقبل يفتح الباب واسعا ومن جديد على ما فبركه قائده من شهود زور في جريمة اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري وما يحاول تمريره في هذا الملف الذي يمثل خطرا على السلم الأهلي إذ يستند الحريري الى إثارة الغرائز والنعرات المذهبية والطائفية من أجل أن يحقق أهدافه في السياسة التي لم يفلح في إدارتها أثناء توليه المسؤولية في الحكومة السابقة.
لقد بات حزب المستقبل يمثل خطرا على هذا المستوى، ما يستدعي الالتفات أكثر الى النشاط الذي يقوم به، ولا تقتصر مراقبته على نشاطه المدني أو السياسي، ولا سيما أن وزير الداخلية مروان شربل قد لمّح الى وجود عملية تواطؤ في فرار المساجين من سجن رومية ما استدعى التحقيق مع جميع ضباط وعناصر قوى الأمن المولجة بالحراسة.
وفي هذا السياق، تقول مصادر مطلعة إن ما جرى ضد قوات اليونيفيل في جنوب
لبنان ولا سيما الانفجار الاخير الذي طاول في صيدا دورية تابعة للوحدة الفرنسية
العاملة في إطار هذه القوات كانت وراءه عناصر من فتح الإسلام التي تعمل وفق
توجيهات "المستقبليين" او "بمونتهم"، لما لهم من "أفضال" سبقت في مجالات
كثيرة، منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي ولا بد من كشف مكنوناتها، خصوصا بعد بروز الإصرار على مد يد العون الى عناصرهم في السجون في خطوة تكررت مرات عديدة منذ أن وجه اليهم الجيش ضربته القاضية في الشمال.
ما شرعت به الأكثرية الجديدة يجب ألا يتوقف عند حدود بعض المكاسب
السياسية او الاكتفاء برعاية بعض الملفات الساخنة بل يجب أن يتعداه الى إعادة هيكلة الوضع الإداري والأمني برمته تجنبا لمزيد من الانزلاقات.

