حيث القومية صياح والشرف قتل

علّقت "الجزيرة" منذ بداية الاحداث في سوريا، برنامج "الاتجاه المعاكس" الذي يرفع شعار "الرأي والرأي الآخر". وعلى رغم جدية المحطة ومهنية مقدمه، فيصل القاسم، كان محكوما على البرنامج بالموت بإسا. فالرأي الآخر عند العرب، ليس رابع الغول والعنقاء والخل الوفي، بل اولها. وهكذا اعتاد المشاهدون ان تنتهي كل حلقة، بفصيل القاسم رافعا يديه وبانسحاب واحد من المتحاورين، فيما "الآخر" يكمل شتائمه وتهمه وسلسلة "الملفات" التي زُوّد اياها في بلاد المنشأ.
لم يكن وقف البرنامج خسارة لأحد. فقد علا الصراخ البديل في كل مكان، وارتفع الصياح على اعلى درجات "الديسابل" واستبدلت الجماهير "الغفورة"، كما سماها سبع الظرفاء فيلمون وهبي، اهزوجة "بالروح بالدم" بكلمات غريبة، لا مألوفة ولا متوقعة، من نوع "حرية" و"ارحل"، ترددها بالايقاع نفسه. المهم ملء الحناجر لئلا يفسدها الكسل.
لاحظ جنابك، الميادين، الشوارع، المؤتمرات، وخصوصا المقابلات التلفزيونية: صياح وصراخ. الخطباء يصرخون. السامعون يصرخون. ألم تدمّر ارم ذات العماد بصيحة واحدة من السماء بعدما استمر بناؤها خمسمئة عام، وبقيت خلاء لا يدخلها احد ولا انيس بها(1) عدا رجلا واحدا يقال له عبد الله بن قلابة؟
خرجت بقية الامم من عصر الصياح الى عصر القول. والقول هو الصلة بين الحاكم والاهالي، بين المرشد وطلبة المعارف، بين المعلم والمريدين. كانت اصواتهم خافتة اولئك الذين بقي قولهم الى الدهر: كونفوشيوس وافلاطون وارسطو وغاندي ونهرو. لا صياح. لا مقابلات تلفزيونية مثل ديوك المكسيك وقرود الفيليبين. صراخ في ميدان التحرير، صراخ في صنعاء. حجارة وصراخ في تونس. ما من احد يصغي الى احد. الناس لا تسمع الصياح لانها لا تفهمه. قد تصفق له وتهتف وتهزج، لكنها لا تصغي. كم مرة شاهدت الناس (الشعب، بالعربية) تهتف لصدام حسين. لا، ليس الذين ترسلهم المخابرات ولا المعيّنون متظاهري شرف، بل المتظاهرون الصادقون والحالمون، في الرباط وفي عمّان وفي صنعاء. وعندما مد يده يأخذ حبل المشنقة من الجلاد كي يلفه على عنقه بيد لا ترتجف، كانت الامة تلبس ثوب العيد. ولم تكن تصدق لا القاضي ولا المحكمة ولا الدفاع. كان الجميع يصيحون، من دون افادة مقنعة واحدة. وكان القانون كبير الغائبين. لقد وأده الرفاق منذ اللحظة التي استولوا فيها على السلطة. القانون العربي مطية يتبادلها الحاكم والمحكوم، مرة يظلم بها هذا ومرة ينكل بها ذاك.
لكن النكران والانكار، ليسا صفة عربية. ولا الجبن الجماعي. ولا الجنون الجماعي. ولا الضعضعة والبلبلة. لقد جرّ هتلر الالمان بمجموعة خطب نحو اوسع عملية قتل وانتحار في التاريخ. بلاد غوته وبيتهوفن وشيللر وهيغل وارض الفلسفة بعد اليونان، جرت خلفه وهي تصرخ بحياة القائد التي تحولت موت المانيا. وايطاليا التي ولدت تغني على المتوسط جرها تافه يدعى موسوليني الى جحيم دانتي من اذنيها قبل ان تستفيق وتعلقه من رجليه.
لا احد منا يعرف اسم رئيس وزراء اسوج او الدانمارك او نروج او كندا، لانهم يعملون. شعوبهم هي الاكثر كفاية في الارض. لا يهاجر احدهم الا طلبا للشمس. نحن امة منفيين ومهاجرين. وتأثير بعض اخواننا العراقيين في نروج اصبح واضحا. فالمعروف انها ارقى دول الارض في توفير وتشغيل الثروة للاجيال القادمة. الآن تتعرف الى نوع جديد من حماية الاجيال: العراقي الذي يذبح ابنته عند باب المنزل، لانها خرجت في موعد يدنس شرف العائلة.
في عمان ليس ضروريا السفر الى اسكندينافيا من اجل "جريمة الشرف". والمقصود بالشرف هنا، ذبح الابنة او الاخت او الزوجة. ويصدف احيانا ان تساعد الام ابنها في ذبح ابنتها، ذودا عن الشرف وانتصارا للامومة. افضّل في هذه الحال مشاهدة برامج "ناشونال جيوغرافيك" التي تسجل كيف ترعى الضبعة صغارها الى ان تكبر وتتفرق في الغاب.
كيف يمكن مجتمعا متقدما واخلاقيا مثل المجتمع الاردني ان يسمح بهذه النسبة من القتل المتعمد القبيح والشائن؟ وكيف لدولة مثل الاردن ان تشجع هذا السلوك الهمجي متسترا بمكارم الاخلاق، وذلك بالاحكام المخففة على القتلة؟
هذه هي مأساة النظرة الى الانسان العربي، وخصوصا الى المرأة فيه، المعروفة بالعورة. كتب الزميل جان دايه يوم الاحد الماضي عن مي زيادة في ذكرى ولادتها الـ125. وكنت انوي الكتابة في ذكرى موتها السبعين. اللبنانية التي سحرت مصر سحرها الذي لا يصدق، حتى الآن، وأعلت شأن المرأة العربية، وضم صالونها الادبي(2) في قاهرة العشرينات، جميع عمالقة مصر: الدكتور طه حسين، عميد الادب العربي وشيخ العروبة أحمد زكي، وشيخ القضاة عبد العزيز فهمي، وشيخ الشعراء اسماعيل صبري، وشيخ الصحافة داود بركات، وشيخ المفكرين الدكتور شبلي الشميل، والاستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق، وامير الشعراء احمد شوقي، وشاعر الاقطار خليل مطران، وشاعر النيل حافظ ابرهيم، والشاعر ولي الدين يكن، والشيخ مصطفى صادق الرافعي، والشيخ انطون الجميل، واستاذ الجميل احمد لطفي السيد، والاستاذ عباس محمود العقاد.
"كان يوم الثلثاء يوما مقدسا، عند رواد صالون مي، كما يقول كامل الشناوي. تناقش ضيوفها في اللغة والثقافة والآداب والعلوم. ويهيم بها وبحضورها ذوو الوقار. ويبكي مصطفى عبد الرازق وهو يسمعها تحاضر طوال ساعتين في الجامعة الاميركية. واذ تعود ساحرة مصر الى لبنان، تتهم بالجنون وتوضع في العصفورية.
لم يبلغنا احد حقيقة المرض الذي اصيبت به ماري زيادة، التي اتخذت لنفسها الاسم العربي "مي". قيل انها ظلمت لكي يرثها اقرباء اردياء، وقيل انها عانت عقدة الخوف. ويخيّل الي ان اقرب النظريات ما حكي عن انها سافرت الى ايطاليا. وفي احد المجالس تحدث احدهم عن قيامة الامبراطورية الرومانية، فاعترضت قائلة، ولماذا تقوم الامبراطورية التي صلبت المسيح. بعدها ابلغت ان رجال موسوليني يريدون قتلها، فهربت عائدة الى مصر، ولم تعد تخرج من منزلها ولا تستقبل احدا. ولما طلب طه حسين ان يزورها قالت له: يجب ان تكون قسا لانني لا اسمح بزيارتي الا لرجال الدين! وكان عميد الادب العربي قد اشتاق الى سهرات ما بعد الصالون، حيث يبقى هو ومحمد حسن المرصفي ولطفي الزيات، فتغني لهم مي بصوتها الجميل اغنية "يا حنينة" التي تذوب فيها حنينا الى لبنان. فلما عادت دفعت الى العصفورية.
ألم يكن مثيرا ان تتصدر امرأتان من لبنان، اوائل القرن الماضي، مسيرة المرأة العربية المعاصرة؟ فاطمة اليوسف، (روز) التي اصبحت سيدة المسرح المصري ثم سيدة الصحافة، تدير المعارك السياسية ضد حزب "الوفد" الحاكم، وتقلق مصطفى النحاس باشا، ويعمل في مجلتها رجال امثال عباس محمود العقاد ومحمد التابعي، ثم ينطلق من هذه المجلة مصطفى وعلي امين وأحمد بهاء الدين واجيال من الصحافيين؟ لقد قيض لمجلس العقاد من يدونه على يد انيس منصور، ولكن ماذا لو كان قدر لصالون مي ان يدون لقاءات تلك الكوكبة الذهبية في ذلك العصر الذهبي؟
مؤلم مشهد الامة، بلدا بلدا او صورة عامة. لقد ازالت الصيحة ارم ذات العماد من الوجود، ولا نزال غارقين في الصراخ. لم نتعلم من العصور الفاصلة، عصور العمل والنهضة، يوم يلتقي في صالون واحد مصابيح امثال طه حسين وعباس محمود العقاد، ويكون مسرح مصر للعراقي نجيب الريحاني والطرابلسية فاطمة اليوسف، ويوم تلتقي مصر المحافظة، بعمائمها، في منزل مي، بما فيها عمامة اللبناني المتشدد مصطفى صادق الرافعي.
كانوا يعملون في تلك الايام، ويبنون نهضة لبلادهم، ويحبونها، ويطلبون لها الحرية، ويكتبون لمواطنيهم عن التقدم والتطور والمشاركة والتنور والمنافسة والعلم. وكان تسامح ورقي، حتى شبلي الشميل تقبله الآخرون، هو و"النشوء والتطور" ورثاه حافظ ابرهيم غير محرج به:
جزع العلم يوم مت ولكن
أمن الدين صولة الكفار
 
يضحك ويبكي وضع الآخر ومصيره اليوم. لقد حمل العرب حروبهم الى الاندلس، مضريين ويمانيين، وهم يستعيدونها اليوم، عرب شمال وعرب جنوب ومعهم عرب الاواسط. وفي ميدان التحرير صياح ليلي نهاري، ولا نعرف ماذا يريد الصياحون على وجه الضبط، والامة تنام وتقوم في الشوارع، اثنين اثنين. الرأي والرأي الآخر، كما كانت تقول "الجزيرة" قبل اقفال البرنامج. شكرا لكم. ثمة صياح كاف خارج الاستوديو.
 
1- "الميتولوجيا عند العرب" الدكتور محمود سليم الحوت، "دار النهار".
2- "الذين أحبوا مي"، كامل الشناوي، دار المعارف، مصر.

السابق
كهرباء النضال
التالي
الحكومة تضيء شمعة أولى مخالفاتها الدستورية… بشبه إجماع!