ليس ادل على استمرار الازمة الداخلية اللبنانية الا ما سمعه موفد النائب وليد جنبلاط الى السعودية في اليومين الماضيين، فعدا الاستقبال الباهت الذي لقيه لم يلتقه الامير بندر بن سلطان بل اوفد اليه احد معاونيه ليبلغه ان لا شيء تغير، “لا حكومة في لبنان يتمثل فيها “حزب الله”. قبل زيارة ابو فاعور سعى النائب جنبلاط الى حلحلة العقد الحكومية عبر طرحه “صيغا مرنة” تسمح بإنجاز تقدم ما قد يساعد على التأليف الا ان ما بات جنبلاط متيقناً منه ان لا قرار داخليا يسمح باي تجاوز لحالة الستاتيكو المفروضة على إيقاع الازمة السورية.
وعلى وقع طبول الحرب الاميركية التي تقرع على ابواب دمشق استفاد رئيس مجلس النواب نبيه بري من المناسبة الوطنية الكبرى والتي اعتاد في كل عام ان يطلق من خلال منبرها مبادرة للحوار وللتلاقي. ورغم ان الاحتفالية بتغييب الامام موسى الصدر ورفيقيه بسبب الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان سرقت وهج اللقاء بين حامل الامانة وجمهوره المتعطش اليه، الا ان بري حمل في جعبته مبادرة حوارية حاول القول من خلالها ان المشكلة الاساسية بين فريقي الازمة 8 و14 آذار هي في غياب مناخ الثقة الداخلية وثانياً في غياب الراعي الاقليمي والدولي الذي كان يوفر تلك المظلة اللازمة لعقد اي صفقة – تسوية تحصل في لبنان. مشى بري في نقاط مبادرته بين حروف وافخاخ وحاول ارسال اكثر من رسالة فهو لا يناور او يقطّع الوقت او يسعى الى الاشارة اليه بالبنان انه موجود. وهو متيقن ووفق مصادر مقربة منه انه وخلال القائه كلمته واعلان مبادرته هناك من ينتظر انتهاء كلمته ليعلق على كلامه بالسلب حتى انه ذهب ابعد من ذلك عندما طالب بتقارب ايراني- سعودي وببناء جسر الثقة المفقودة بين الدولتين المتنازعتين على النفوذ والادوار، وهو يعرف ان اول طلقة ستكون ممن يضعون كل “بيضهم” في “سلة المملكة” ولا يمكنهم تحريك ساكن اذا لم تأت كلمة السر منها، فكيف يجلسون الى طاولة حوار مع حزب الله وهم لا يريدونه شريكاً في الحكومة او حتى في مناسبة عامة تجمعهم به ويرون ان المشكلة الاساسية في سلاحه وعبوره الى ما وراء الحدود للقتال الى جانب نظام الرئيس بشار الاسد، فالجلوس معه اعتراف به وبسلاحه وتغطية لما يقوم به، وهم يعتبرون ايضاً ان الرئيس بري جزء من 8 آذار وفريق فيه وليس وسطياً كما يقول. بعد الردود السريعة على مبادرة بري وتجاوز رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الرد عليها في “احتفالية لبنان الكبير” وفتح رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع معركة الرئاسة وترشيح نفسه على ظهر بندقية “حزب الله”، بات واضحاً ان كل الملفات اللبنانية ستضبط على إيقاع الضربة الاميركية لسورية فليس حال 8 و14 آذار افضل حالاً من القيادة السورية نفسها. وتنقل اوساط سياسية بارزة جمعها لقاء مسائي امس بقيادي سوري رفيع المستوى في بيروت ان سورية ليست سعيدة كثيراً بانتظارها ضربة اميركية مهما كان شكلها ولونها او حجمها فانها ستخلق ارباكاً وستخلف ضحايا وتتطلب تضحيات جساما وستكون الشرارة الاولى لكلفة باهظة سيدفعها الشعب والجيش السوريان اولاً والمنطقة بأكملها ثانياً. حرص القيادة السورية على تجنب الضربة باللجوء الى الامم المتحدة وتطويق الولايات المتحدة بقرارات الشرعية الدولية لا يعني ايضاً انها خائفة من المواجهة او انها تشعر انها استفردت وان حلفاءها الايرانيين والروس تخلوا عنها. ما سمعته وما لمسته منهما يؤكد بالدليل القاطع ان كسر العدوان ومفاعيله واستمرار التقدم النوعي للجيش السوري في مواجهة الارهاب التكفيري ودحره سيوصل في النهاية الى تسوية عادلة ومستحقة للشعب السوري رغم انف من يؤجج نار الحرب السورية، فالكلمة ستبقى للميدان طالما بقي سوري وحيد يدافع عن وطنه ويذود عن قضيته. التأرجح الاميركي في اتخاذ قرار تنفيذ الضربة ينتظر قرار الكونغرس بعد فشل ادارة اوباما في تحصيل الموافقة البريطانية والايطالية والالمانية ما يعني مزيداً من الحسابات الاميركية لتغطية اي قرار بمظلة دولية وايا تكن الحسابات الاميركية والقرار الذي ستتخذه ادارة اوباما فإن الازمة السورية والمنطقة برمتها امام طريقين: اما التسوية وإما الانفجار وبينهما لبنان وقياداته التي ترفض التلاقي والسلام قبل ان يومئ اليها صانع القرار الذي تتبعه.

