درء المفسدة.. قاعدة غائبة في زمن الأزمات.

الشيخ عباس حايك

من المبادئ الكبرى التي يقوم عليها التشريع الإسلامي، وتلتقي عندها مقاصد الشريعة مع العقل السليم، قاعدة: «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة». وهي قاعدة أصولية وفقهية اعتمدها علماء المسلمين، وحظيت بمكانة خاصة في الفقه الإمامي الاثني عشري، لأنها تنطلق من أن حفظ الإنسان والمجتمع والدين مقدم على تحصيل منفعة قد يترتب عليها ضرر أعظم.
فليس كل ما يحقق مصلحة يكون مشروعًا، إذا كانت كلفته فسادًا أكبر. كما أن الشريعة لم تُبنَ على جلب المنافع مجردة، وإنما على الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، وتقديم أخف الضررين إذا تعذر الخلاص منهما، واختيار ما يحفظ النفوس والكرامة والاستقرار.
لقد أكد فقهاء الإمامية أن الأحكام الشرعية تدور مع ملاكاتها وجودًا وعدمًا، وأن العقل شريك في إدراك حسن بعض الأفعال وقبحها. ومن هنا جاءت قواعد مثل: «لا ضرر ولا ضرار»، و«الضرورات تقدر بقدرها»، لتشكل مع هذه القاعدة منظومة متكاملة تمنع أن يتحول الدين إلى سبب لإيقاع الناس في الحرج والضرر.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زلنا نحتكم إلى هذه القاعدة في حياتنا العامة، أم أننا أصبحنا نقدم مصالح سياسية أو حزبية أو عاطفية، ولو أدت إلى مفاسد جسيمة تصيب الإنسان والوطن؟
كم من قرار اتُّخذ باسم المصلحة، فكانت نتيجته خراب المدن، وتشريد الناس، وتعطيل مصالح العباد، وتعميق الانقسام بين أبناء الوطن. ولو أُخضعت تلك القرارات لميزان «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة»، لربما كانت النتائج مختلفة.
إن الشريعة لا تطلب من الإنسان أن يسعى إلى مصلحة موهومة إذا كان ثمنها دماء الأبرياء، ولا أن يغامر بمصير مجتمع كامل من أجل مكسب محدود أو مؤقت. بل إن من أعظم مقاصدها حفظ النفس، وصيانة العقل، وحماية المال، وحفظ الدين، وصون الكرامة الإنسانية.
ولهذا، فإن استحضار هذه القاعدة اليوم ليس ترفًا فقهيًا، بل ضرورة أخلاقية ووطنية. فالدين الذي جاء رحمة للعالمين لا يمكن أن يكون مبررًا لتوسيع دائرة الأذى، ولا لإدامة الأزمات، ولا لإغفال حجم المعاناة التي يعيشها الناس.
إن الفقيه، والسياسي، وصاحب القرار، بل وكل فرد، مدعو إلى أن يسأل نفسه قبل أي موقف: هل ما أفعله يدرأ مفسدة حقيقية، أم يجلب مفسدة أكبر باسم مصلحة أتوهمها؟
عندها فقط، تستعيد هذه القاعدة مكانتها، لا كنص في كتب الأصول، بل كمنهج في التفكير، وأسلوب في صناعة القرار، وطريق يحفظ الإنسان قبل كل شيء….

السابق
تحرك سياسي لافت وتمايز عن حزب الله.. نبيه بري في زيارة مرتقبة إلى قصر بعبدا
التالي
نتنياهو: سنراقب قدرة الجيش اللبناني على بسط سيطرته على جنوب لبنان