من واشنطن إلى زوطر: «معك عالسمع.. بدّل»..

احمد اسماعيل

قد يكون اسم زوطر، أو زوترا، ضاربًا في عمق اللغات السريانية أو الآرامية، وربما مرّ على ألسنة الصليبيين، لكن المؤكد أن هذا الاسم الصغير خرج في العامين الأخيرين من حدود الجغرافيا، ليصبح حاضرًا في نشرات الأخبار، وعلى شاشات العالم، وفي مقالات المحللين، وعلى طاولات المفاوضات التي امتدت من واشنطن إلى روما وسائر العواصم المؤثرة.

زوطر… البلدة التي عُرفت منذ القدم بعنبها الزوطراني الفاخر، ذلك العنب الذي حملت قوافله طعم الجنوب إلى أسواق المتوسط، حتى قيل إن نكهته وصلت إلى باريس وروما في الأزمنة الغابرة، تعود اليوم لتصدّر اسمها إلى العالم، لا بعناقيد العنب، بل بثقل موقعها ورمزية حضورها في المشهد اللبناني.

وكأن كرومها استعادت عطرها، لا لتملأ الكؤوس، بل لتملأ الذاكرة. وكأن الأرض التي أنبتت العنب، ما زالت تنبت المعاني، وتبعث الرسائل إلى من يقرأ الجغرافيا بعين السياسة، وإلى من يفهم أن بعض القرى قد تصبح عنوانًا لوطن بأكمله.

لم تعد زوطر مجرد اسم يُكتب على الخرائط أو يُنطق على الألسنة، بل غدت رمزًا. وجهها يشبه خارطة لبنان، وعيناها تتطلعان من الجنوب نحو الشمال، وكأنهما ترسمان طريق الخلاص لوطن يتطلع إلى سيادة كاملة، واستقرار دائم، ودولة تبسط سلطتها على كامل أرضها.

ومن واشنطن… كان اسم زوطر حاضرًا. فقد ذُكر في البيت الأبيض على لسان رئيس الجمهورية جوزيف عون، ليصل اسم هذه البلدة الجنوبية إلى إحدى أهم منصات القرار الدولي، في مشهد جعل اسم قرية صغيرة يتردد في قلب السياسة العالمية.

وفي الوقت نفسه، كانت زوطر على موعد مع مشهد آخر في أرضها؛ مشهد رفع العلم اللبناني فيها من قبل رئيس حكومة لبنان الفدائي القاضي نواف سلام، في صورة حملت بالنسبة إلى كثيرين دلالة رمزية على حضور الدولة وتمسكها بأرض الجنوب. ولم يكن غرس العلم، في الوجدان الوطني، مجرد إجراء بروتوكولي، بل رسالة تؤكد أن هذه الأرض ستبقى لبنانية، وأن سيادة الدولة عليها هي الهدف الذي يتطلع إليه اللبنانيون.

فإذا كانت واشنطن قد سمعت اسم زوطر، فإن الجنوب هو الذي أعطى لهذا الاسم معناه. وإذا كانت العواصم تتداول خرائط السياسة، فإن زوطر ما زالت تكتب، بصمود أهلها، خرائط الانتماء.

من واشنطن إلى زوطر… كان الاسم على السمع، وسيبقى على السمع، وليسمع من أراد أن لا يسمع.

السابق
غوتيريش يصل إلى سوريا في أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة منذ العام 2009
التالي
تفاصيل مثيرة لاختراق الموساد لوزير النفط الإيراني.. وحرب نفسية وعسكرية تستهدف قادة طهران