الأمن والسيادة الوطنية مطلب اللبنانيين الشرفاء ورفضهما عمالة وانصياع

يُحدِّد العلم السياسي، وفي مختلف مندرجاته، أنّ “الأمن والسيادة الوطنية هما أساس بقاء أي دولة واستقرارها”، والمقصود بهذا التوصيف القانوني الدستوري: حماية الحدود والأراضي، واستقلالية القرار السياسي السيادي، ومنع أي تدخل خارجي.

هذا التحديد تجاوزته السلطات اللبنانية التي تعاقبت على ممارسة النظام السياسي منذ أن أُقِرَّت وثيقة الوفاق الوطني، بالرغم من أنها تضمَّنت بنودًا سيادية، ولكن تمّت مخالفتها عمدًا من قبل كل السلطات اللبنانية (رؤساء الجمهورية بعد الطائف، رؤساء الحكومات والوزراء، رئيس المجلس النيابي والنواب).

كما إننا، كمركز أبحاث PEAC، نتحفظ راهنًا عن إشراك النظام السياسي الحالي، المتمثِّل برئيسي الجمهورية والحكومة حصرًا، في الانتهاكات الصادرة بحق السيادة والأمن، وذلك استنادًا إلى خطاب القسم، والبيان الوزاري، والقرار الوزاري الصادر في 2 آذار 2026 [الحظر الفوري لكافة أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية واعتبارها خارجة عن القانون]. والموقف هذا يُعبِّر عن وصف الحالة التي يمر بها هذا النظام، بانتظار ظهور الحقائق الكاملة للمواقف المعلنة من الأمن والسيادة الوطنية، والخطوات العملانية المنصوص عليها في القانون اللبناني والدستور، والغاية تجميد أي موقف أو خطوة ريثما تتضح المعالم.

مفهوم الأمن الوطني في القانون والعلم السياسي

الأمن والسيادة، في المفهوم القانوني، هما الأساس لأي نظام سياسي سيادي، والأمن هو مبدأ أساسي يقوم على ضمان استقرار القواعد السياسية الدستورية وقابليتها للممارسة، بما يكفل للوطن وللشعب القدرة على الاستمرار والتخطيط في ظل نظام سياسي واضح ومستقر.

ويشير العلم السياسي إلى أنّ مفهوم الأمن الوطني يرتبط ارتباطًا مباشرًا بوجود الدولة السيِّدة المستقلة وبقائها؛ وعليه، فإنّ مفهوم الأمن الوطني في الجمهورية اللبنانية، وفي العهود السابقة، شابه الانهيار وعدم الاحترام، ودحضته بيانات حملت مضامين خرافية تزويرية، حتى أضحت جدلية تهديد سيادي، وأفرزت تطورًا دراماتيكيًا لمفهوم الأمن الوطني السليم.

مقياس الأمن الوطني الحقيقي

إنّ مقياس مدى توفير وحماية الأمن الوطني هو مدى إدراك الساسة وتحديدهم لمفهوم ومكونات المجتمع وقطاعاته التي يتشكّل منها، أي الأركان التي يقوم عليها مجتمعنا اللبناني، والتي تشكّل أنماط حياتنا السياسية المتعددة الجوانب، منها العسكرية والاجتماعية والاقتصادية والمالية.

وبقدر مفهومنا لمجتمعنا الوطني اللبناني، ومصالحه، والأركان التي يقوم عليها، يكون مدى كفاية أو عدم توفر عناصر الأمن الوطني، وفاعلية ذلك الأمن. هذا هو المقياس السليم لأمننا الوطني الذي يُفترض حمايته دستوريًا وفق ما يُدرج في النص الدستوري.

الأمن القومي وسيادة الدولة

لمُدَّعي السيادة الزائفة ولعملاء الخارج، إنّ مفهوم الأمن الوطني القومي ظهر، بشكل علمي وموضوعي وقانوني، مع معاهدة ويستفاليا عام 1648. (ومعاهدة ويستفاليا هي مجموعة اتفاقيات سلام وُقِّعت في مدينتي مونستر وأوسنابروك بألمانيا عام 1648، وأنهت حرب الثلاثين عامًا في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وحرب الثمانين عامًا بين إسبانيا وهولندا، ووضعت الأساس لمفهوم سيادة الدولة الحديثة ونظام العلاقات الدولية القائم على حدود واضحة).

ولهؤلاء قصيري النظر، إنّ الأمن القومي الوطني اللبناني هو قدرة النظام السياسي اللبناني على الدفاع عن أمنه وحقوقه، وصياغة استقلاله وسيادته على أراضيه، وتنمية القدرات والإمكانات الوطنية اللبنانية في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، مستندة إلى القدرة السياسية والعسكرية والدبلوماسية، آخذةً بعين الاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية للدولة، والإمكانات المتاحة، والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية التي تؤثر على الأمن القومي الوطني اللبناني؛ لا أن يُعتمد على العمالة لأي دولة، وتحديدًا ما كان يحصل منذ التسعينيات ولغاية اليوم (العمالة للنظام السوري، ومن ثم العمالة للنظام الإيراني)، كما لا بد من التذكير بالمواقف التي اتخذتها الميليشيات اللبنانية وولاءاتها الخارجية.

التكامل الإقليمي والدولي ركيزة للأمن الوطني

يذكر العلم العسكري أنّ من القضايا المهمة المرتبطة بالأمن الوطني التعامل والتكامل الإقليمي والدولي، وتقوم الفكرة على أنّ أمن أي دولة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن الدول المجاورة لها، والمنطقة الجغرافية التي تتواجد فيها، وبالتالي تكون هناك حاجة وضرورة ماسّة لمثل هذا التعاون.

وهناك أمثلة على ذلك التعاون، ونذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر: التعاون المشترك بين بلدان مجلس التعاون الخليجي، والتعاون الدولي الحدودي.

الأمن والسيادة مطلب اللبنانيين الشرفاء، ورفضهما عمالة وانصياع.

وفي ضوء ذلك، ووفقًا للمنطق القانوني (القانون الدولي)، ينبغي الخروج بخلاصة أن الجمهورية اللبنانية، بنظامها الحالي، يجب أن تنتهج مبدأ الأمن الوطني اللبناني ببعديه الداخلي والخارجي، معتمدةً على التكامل الإقليمي والدولي لصيانة الأمن الوطني، وتحقيق أمن واستقرار الجمهورية اللبنانية ودول الجوار، فضلًا عن الأولويات الاستراتيجية التي تخدم الجمهورية اللبنانية ودول الجوار.

السابق
خسارة لبنان التي لا تُعوَّض: حين يهاجر الشباب يهاجر المستقبل
التالي
المسار الإنساني للقائد مصطفى معروف سعد ونهضة الوعي الشبابي