ما الذي تخفيه المرحلة المقبلة من الحرب ​لماذا لا يخيف ترامب إيران بتهديداته؟

ترامب وايران

​يبدو أن التصريح المباشر والوعود النارية هما الأداة الأفضل للرئيس الأميركي دونالد ترامب لإظهار الهيبة السياسية أمام قواعده الانتخابية؛

فهو يطلق التهديدات باتجاه طهران بوتيرة لا تتوقف، مبشراً بإعادتها عقوداً إلى الوراء!

لكن الواقع الميداني يرسم صورة مختلفة كلياً.

​وفي خضم هذا الاستعراض الكلامي، يُطرح التساؤل الميداني الجوهري: ما الذي سينكسر فعلياً في المعادلة الإقليمية إذا ما نُفذت الضربات ضد موقع “جبل الفأس” الإيراني؟

​هل ستدفع هذه الضغوط والضربات المتوقعة إيران نحو الاستسلام وتفكيك برنامجها؟

أم سيشهد العالم كشف النقاب عن مجمعات أعمق وأكثر تحصيناً تحت الأرض؟

​ألم يسبق للرئيس ترامب أن صوّر منشأة “فوردو” باعتبارها العقدة الأخيرة والمنشأة الأكثر استعصاءً على التدمير؟

كيف إذن توارت تحصينات “جبل الفأس” عن غرف العمليات والاستخبارات الغربية لكل هذه السنوات؟

​وحين استُهدفت “فوردو”، ألم تعلن واشنطن عن تحييد مخزون الـ 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وزوال خطره؟

​أين تقف التقديرات الأميركية اليوم من الإحداثيات الحقيقية لهذا المخزون؟

هل تملك واشنطن يقيناً جغرافياً بمكانه، أم أنه توزع وتشتت بين الأعماق؟

​الحقيقة التي يُتغافل عنها هي أن الإجابات الدقيقة تظل حصراً داخل أروقة القرار الإيراني.

وكل ما دون ذلك، لا يعدو كون العمليات العسكرية مغامرات عالية التكلفة والتدمير، ولكنها مجردة من الضمانات السياسية، وبعيدة عن تحقيق أي من أهداف الحرب الأمنية الثلاثة؛ أي النووي والبالستي والأذرع الإيرانية.

​لماذا تفقد تهديدات ترامب فاعليتها؟

​1. استعصاء المعرفة والخبرة على الانكسار

لا تملك ​سياسة “الضغط الأقصى” حلولاً لمواجهة البعد المعرفي؛ فاختراق البُنى المادية ودك المجمعات لن يجرد إيران من خبراتها التراكمية وقدرتها على إعادة التشييد.

​2. رفض التفاوض المباشر تحت الإملاءات

تضع ​المحاولات الأميركية لصياغة اتفاقات جديدة طهران في موضع الطرف المأزوم.

ولكنها ترتطم في الوقت ذاته برفض قيادي إيراني حاسم، يعتبر القبول بالتفاوض تحت التهديد العسكري انكساراً استراتيجياً لا يمكن القبول به.

​3. عجز التفوق الجوي عن تأمين أمن المضائق

​مهما بلغت كثافة الغارات وشدة التفجيرات الأميركية، فإن القوة الأميركية الجوية ستبقى عاجزة عن فرض المعادلة الأمنية في مضيق هرمز، أو عن ضمان هدوء وحرية الملاحة في باب المندب.

​4. نقل الأزمة للجوار العربي

يتجسد ​الرد الإيراني على التهديدات المباشرة غالباً في إعادة تصدير الضغوط والرسائل الأمنية والسياسية نحو الساحات الإقليمية والمحيط العربي.

ولا تتردد إيران بالتهديد بمبدأ شمشون لجهة هدم الهيكل فوق رؤوس الجميع إذا ما تعرضت لما هو أخطر من ذلك!

​5. كبح الرغبة الإسرائيلية في التوسع “العنفي”!

​على الرغم من النبرة التصعيدية الاسرائيلية، يعمل الرئيس ترامب على فرض كوابح على الاندفاع الإسرائيلي نحو شن ضربات جوية مفتوحة ومباشرة ضد إيران تجنباً للانزلاق إلى حرب شاملة.

​6. الالتزام بحدود التهدئة الضمنية

​في الواقع، يلتزم الطرفان الأميركي والإيراني بقواعد اشتباك غير مكتوبة تُبقي الصراع تحت سقف محدد، وتتحاشى استهداف شريان الحياة الاقتصادي للبنى التحتية للطاقة والمياه والنفط في إيران كما في الدول العربية.

​7. استمرار استراتيجية “عض الأصابع”

​يتواصل المسار الحربي في النار والدمار والحصار ضمن لعبة “عض الأصابع”!

وكذلك يتواصل عبر تبادل الرسائل التفاوضية “الترهيبية”… بالنار!

حيث يراهن كل طرف على عنصر الوقت، وعلى قدرته على التحمل من دون تقديم تنازلات جوهرية.

​8. انسداد المسارات الدبلوماسية و”كوما” الوساطات

غابت، و​تغيب النقاط المتقاطعة للوصول إلى تسويات جيوإستراتيجية طويلة الأمد بين المتحاربين!

بينما تعاني المبادرات الإقليمية والدولية (كالجهود القطرية والباكستانية) من الشلل وفقدان التأثير العملي.

وفي اطار تهديدات الرئيس ترامب؛ ​يبدو من غير المنطقي افتراض أن استهداف “جبل الفأس” سيمثل الضربة القاضية التي تحسم ملف البرنامج النووي، بقدر ما يفتح الباب أمام مفاجآت جديدة!

ف​الواقع الميداني يشير إلى أن استهداف الموقع لن يغير قواعد اللعبة؛ بل سيعني رفع موجة التوتر مجدداً، من شواطئ هرمز وصولاً إلى العواصم والساحات الإقليمية… وصولاً الى بيروت، مع استمرار إيران بتحييد… تل أبيب!

في النهاية، ما تزال النهاية بعيدة!

وسوف تستمر الحرب في المعادلة ذاتها، من دون تغيير في جوهر الصراع… وذلك، حتى يجري التغيير إما في الأسلحة أو في بنك الأهداف!

السابق
الصحف الإيرانية: نووي الرياض وازدواجية المعايير الأميركية.. هل يشعل اتفاق ترامب والسعودية سباق تسلح جديد في الشرق الأوسط؟
التالي
من الهلال الشيعي إلى المشرق الجديد: كيف تعيد واشنطن رسم خرائط النفوذ من بغداد إلى بيروت