قبل أكثر من عشرين عاماً، أطلق العاهل الأردني الراحل الملك عبد الله الثاني مصطلح “الهلال الشيعي” محذراً من تشكل محور يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت، يقوم على نفوذ إيراني متصاعد يتجاوز حدود الدول التقليدية.
في ذلك الوقت، اعتبر كثيرون أن المصطلح مبالغ فيه، لكن الأحداث التي أعقبت سقوط بغداد عام 2003، ثم الحرب السورية، وصولاً إلى تعاظم قوة حزب الله في لبنان، جعلت هذا المفهوم جزءاً من الأدبيات السياسية في الشرق الأوسط.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة تماماً.
فالسؤال لم يعد: كيف يتمدد الهلال الشيعي؟
بل أصبح: هل يتشكل نظام إقليمي جديد يقوم على استعادة الدولة الوطنية وتقليص نفوذ الفاعلين المسلحين غير الحكوميين؟
العراق… بداية التحول
ربما تكون بغداد أول مكان يمكن فيه ملاحظة هذا التحول.
فالحكومة العراقية الحالية تتحدث بصورة متزايدة عن حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز سلطة المؤسسات، وإعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل المسلحة، بالتوازي مع سياسة خارجية تقوم على الانفتاح على العالم العربي والولايات المتحدة، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران.
هذا المسار لا يعني نهاية نفوذ الفصائل، لكنه يعكس انتقالاً تدريجياً من منطق “الدولة الموازية” إلى محاولة إعادة الاعتبار للدولة المركزية.
ولهذا لم تكن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن حدثاً بروتوكولياً، بل جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل العراق ودوره في الإقليم.
سوريا… الجغرافيا تتغير
أما في سوريا، فإن التغييرات لا تقل أهمية.
فالحدود التي كانت لعقود شرياناً لنقل السلاح والمقاتلين والتمويل أصبحت أكثر تعقيداً، كما أن إعادة تموضع القوى الإقليمية والدولية فرضت قيوداً جديدة على حرية الحركة التي تمتعت بها شبكات النفوذ خلال السنوات الماضية.
وهذا لا يعني انتهاء النفوذ الإيراني في سوريا، لكنه يعني أن البيئة التي سمحت بتمدده لم تعد كما كانت.
لبنان… الاختبار الأصعب
إذا كان العراق يمثل نقطة الانطلاق، وسوريا تمثل عقدة العبور، فإن لبنان يبقى الحلقة الأكثر حساسية.
فالسنوات الماضية قامت على معادلة واضحة: دولة ضعيفة، وسلاح قوي، وتوازن داخلي فرضته قوة الأمر الواقع.
لكن الحرب الأخيرة، وما تبعها من تحركات دبلوماسية، أعادا طرح سؤال كان مؤجلاً منذ اتفاق الطائف: هل يمكن أن تستعيد الدولة اللبنانية احتكارها المشروع للقوة؟
لقاء الرئيس جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن مجرد مناسبة دبلوماسية، بل عكس اهتماماً أميركياً بتثبيت نتائج المرحلة العسكرية ضمن إطار سياسي وأمني طويل الأمد.
ومن هنا جاء التركيز على دعم الجيش اللبناني، وتعزيز حضوره في الجنوب، وربط إعادة الإعمار بتوسيع سلطة الدولة.
من النفوذ إلى الدولة
ما يجمع العراق وسوريا ولبنان ليس التشابه الكامل في الظروف، بل الاتجاه العام.
هناك محاولة لإعادة بناء مفهوم الدولة الوطنية بعد سنوات من تغليب منطق المحاور المسلحة.
فالولايات المتحدة، ومعها عدد من الشركاء الإقليميين، تبدو وكأنها تسعى إلى تحويل نتائج المواجهات العسكرية إلى ترتيبات سياسية دائمة، يكون عنوانها الأساسي: لا أمن مستدام خارج مؤسسات الدولة.
هذا لا يعني القضاء على جميع الفاعلين المسلحين أو إنهاء نفوذهم السياسي بين ليلة وضحاها، لكنه يعني العمل على تقليص قدرتهم العسكرية وإضعاف إمكان إعادة إنتاجها مع مرور الوقت.
إيران… من التوسع إلى إدارة النفوذ
في المقابل، تواجه إيران واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي أعقب عام 2003.
فشبكات النفوذ التي بنتها خلال العقدين الماضيين أصبحت أكثر كلفة، وأكثر عرضة للضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
ولذلك قد تنتقل الأولوية الإيرانية من توسيع النفوذ إلى الحفاظ على ما تبقى منه، وإدارة الخسائر بطريقة تمنع الانهيار الكامل.
وهذا تحول استراتيجي، حتى لو استمر النفوذ الإيراني بأشكال مختلفة.
هل نجحت واشنطن؟
من المبكر الجزم بذلك.
فالشرق الأوسط مليء بالمفاجآت، وكثير من المشاريع الإقليمية تعثرت بعد بدايات واعدة.
لكن ما يمكن قوله هو أن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع ملفات العراق وسوريا ولبنان كجزر منفصلة، بل كمساحات مترابطة داخل رؤية إقليمية واحدة.
والهدف، كما يبدو، ليس فقط احتواء إيران، بل إعادة بناء منظومة إقليمية تجعل الدولة الوطنية هي المرجعية الأمنية والسياسية الأولى.
نجاح هذه الرؤية سيعتمد على قدرة الحكومات العربية على بناء مؤسسات فاعلة، وتحقيق التنمية، واستعادة ثقة مواطنيها. أما إذا بقيت الدولة ضعيفة، فإن أي فراغ سيجد من يملأه، كما حدث مراراً خلال العقود الماضية.
لبنان أمام فرصة تاريخية
بالنسبة للبنان، قد تكون هذه اللحظة هي الأهم منذ اتفاق الطائف.
فإذا أحسن اللبنانيون استثمار الاهتمام الدولي، وتمكنوا من تعزيز مؤسساتهم، وإطلاق إصلاحات حقيقية، واستعادة الثقة العربية والدولية، فقد يتحول لبنان من ساحة صراع إقليمي إلى دولة تستعيد دورها الطبيعي.
أما إذا ضاعت هذه الفرصة، فإن البلاد قد تعود إلى الحلقة نفسها التي دارت فيها منذ عقود.
إن التحولات التي نشهدها اليوم لا تعني بالضرورة نهاية النفوذ الإيراني، ولا نهاية حزب الله كفاعل سياسي، لكنها قد تعني نهاية مرحلة تاريخية قامت على هيمنة السلاح خارج الدولة، وبداية مرحلة جديدة تُقاس فيها قوة الدول بقدرة مؤسساتها، لا بقدرة التنظيمات المسلحة.
وهنا تكمن أهمية السؤال الذي سيحدد مستقبل المشرق كله:
هل نشهد نهاية “الهلال الشيعي” أم ولادة “المشرق الجديد”؟
الإجابة لن تُحسم في خطاب سياسي أو قمة دولية، بل في قدرة دول المنطقة على استعادة وظائفها الأساسية، وإثبات أن الدولة قادرة على حماية مواطنيها وفرض سيادتها وتوفير الاستقرار.
فإذا نجحت في ذلك، لن تكون الخرائط قد تغيّرت جغرافياً، بل ستكون قد تغيّرت سياسياً واستراتيجياً، وهو التغيير الأعمق والأكثر دواماً.

