في خضم المواجهة العسكرية المستعرة والتوترات الإقليمية المتصاعدة، دخلت العاصمة العراقية بغداد على خط الجدل الدبلوماسي الدولي، إثر تقارير صحفية تحدثت عن دور عراقي في تسيير قنوات تفاوضية بين القوتين المتصارعتين.
وسارع المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي إلى إصدار نفي رسمي قاطع للتقارير التي تحدثت عن وساطة عراقية لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، معتبراً أن هذه الأنباء تفتقر إلى الصدقية وتجافي الواقع الميداني والسياسي.
وأصدر المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي بياناً رسمياً حازماً فند فيه مضامين التقرير الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (The New York Times) الأميركية بتاريخ 23 تموز 2026. وجاء في نص البيان:
“إزاء ما ورد في التقرير المنشور بصحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 23 تموز 2026، يؤكد المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء أن ما ورد فيه من مزاعم جاءت عارية عن الصحة ولا تمتّ إلى الواقع بصلة”.
ووجه المكتب الإعلامي، عبر البيان ذاته، دعوة صارمة إلى كافة وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية بضرورة “تحري الدقة والاعتماد المطلق على المصادر الرسمية الموثوقة، والامتناع عن تداول معلومات غير موثقة أو منسوبة إلى مصادر مجهولة”، في إشارة واضحة إلى رفض بغداد للتقارير القائمة على التسريبات الاستخباراتية غير الرسمية.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية قد نشرت تقريراً واسعاً نقلت فيه عن مسؤولين إيرانيين وعراقيين لم تسمّهم، مزاعم تفيد بأن إيران رفضت بشكل قاطع مقترحاً أميركياً لوقف إطلاق النار. وبحسب الرواية التي أوردتها الصحيفة وصححها الجانب العراقي، فإن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي كان قد نقل هذا المقترح الأميركي شخصياً إلى القيادة في طهران خلال زيارته الأخيرة.
وأوضحت الصحيفة الأميركية في تحليلها للخلفيات أن:
- الموقف الإيراني: طهران لا تبدو مهتمة أو مستعدة للدخول في أي اتفاق مؤقت أو هدنة جزئية تترك المسائل الاستراتيجية الكبرى عالقة دون حلول جذرية.
- عقدة مضيق هرمز: تصر القيادة الإيرانية على حسم ملف السيطرة والملاحة في مضيق هرمز كجزء أساسي من أي تفاهم، وترفض إبقاء هذا الشريان الحيوي دون حسم؛ في الوقت الذي لم يصدر فيه أي تعليق فوري أو رسمي من البيت الأبيض حول تلك التطورات.
وفي أول رد فعل رسمي ودبلوماسي من الجانب الأميركي يعزز الموقف العراقي وينهي الجدل، علق المبعوث الأميركي الخاص بوضوح على بيان النفي الصادر عن بغداد بالقول: «العراق يصحح الحقائق». ويُظهر هذا التعليق المقتضب توافقاً ضمنياً بين واشنطن وبغداد على دحض الرواية التي نشرتها الصحيفة الأميركية، والتأكيد على أن مسارات التفاوض والوساطة المزعومة لم تطرح بالشكل الذي جرى تداوله في وسائل الإعلام.
يمثل النفي العراقي الحازم، المدعوم بتعليق المبعوث الأميركي، محاولة من بغداد لتحييد ساحتها السياسية والدبلوماسية عن صراع القوى المباشر بين واشنطن وطهران، وتفادي الظهور بمظهر القناة الممهدة لاتفاقات ترفضها الأطراف الإقليمية. ومع بقاء مسألة السيطرة على مضيق هرمز شائكة ومشتعلة ميدانياً، تثبت هذه التطورات أن كواليس الحرب الأميركية الإيرانية لا تزال مغلقة أمام الحلول المؤقتة، وأن أي حديث عن هدنة يتطلب تفاوضاً مباشراً وحسماً للمفاتيح الاستراتيجية لطرق الطاقة العالمية.

