الزيدي في طهران بعد واشنطن.. توازن بغداد بين الشراكات الدولية وملف الفصائل المسلحة


وصل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى طهران في أول زيارة رسمية له منذ توليه المنصب، في محطة تأتي وسط تحولات إقليمية متسارعة وتوتر متصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، ما يضع بغداد أمام اختبار صعب للحفاظ على سياسة التوازن بين حليفيها الرئيسيين. وبينما تؤكد الحكومة العراقية أن مباحثات الزيارة تركز على ملفات التعاون الاقتصادي والطاقة والتجارة، يبقى ملف الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة حاضرًا في خلفية المشهد، خصوصًا مع تزايد المخاوف من انتقال المواجهة الإقليمية إلى الساحة العراقية


وتوجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى العاصمة الإيرانية طهران، الخميس، في زيارة رسمية هي الأولى له منذ توليه منصبه، لإجراء مباحثات مع كبار المسؤولين الإيرانيين تتناول العلاقات الثنائية والملفات الإقليمية، في وقت تسعى فيه بغداد إلى تثبيت سياسة تقوم على الحفاظ على علاقاتها مع كل من واشنطن وطهران.

وأعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء وصول الزيدي إلى طهران، في زيارة رافقه خلالها وفد حكومي رفيع، فيما أظهر مقطع مصور مقاتلات عراقية ترافق طائرة رئيس الوزراء خلال دخولها الأجواء الإيرانية. وكان في استقباله وزير الشؤون الاقتصادية والمالية الإيراني علي مدني زاده، ممثلًا للرئيس الإيراني.

وبحسب الحكومة الإيرانية، فإن الزيارة تهدف إلى تعزيز التعاون بين البلدين وبحث القضايا الثنائية والإقليمية، إضافة إلى توقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات مختلفة.

وقبيل مغادرته بغداد، قال الزيدي إن مباحثاته في طهران ستتناول ملفات التعاون المشترك والقضايا الإقليمية، مشددًا على أهمية استمرار الحوار بين البلدين بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة.

ملفات اقتصادية في الواجهة

أكدت الحكومة العراقية أن جدول أعمال الزيارة يركز على ملفات الطاقة والتجارة والنقل والزراعة، إلى جانب بحث ملف الغاز بما يحقق المصالح العراقية. وقالت إن العلاقات مع إيران تستند إلى روابط تاريخية وجغرافية واقتصادية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن القرارات السيادية العراقية تبقى شأنًا داخليًا.

وأوضح المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي أن ملف حصر السلاح بيد الدولة لن يكون ضمن مباحثات الزيارة، مؤكدًا أن هذا الملف “شأن سيادي عراقي لا يناقش في عواصم أخرى”.

ويأتي هذا الموقف بعدما تحدثت تقارير عن احتمال بحث بغداد مع طهران مسألة ضبط نشاط الفصائل المسلحة وتسليم الأسلحة خارج إطار الدولة، وهي تقارير لم تؤكدها الحكومة العراقية رسميًا.

الفصائل المسلحة وحسابات التصعيد

وتتزامن زيارة الزيدي إلى طهران مع تصاعد المخاوف من تداعيات المواجهة بين واشنطن وطهران، خصوصًا مع تقارير تحدثت عن تعزيز بعض الفصائل العراقية الموالية لإيران قدراتها العسكرية.

وبحسب معلومات أمنية للعربية، فإن فصائل عراقية تضم عناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني شاركت في تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة استهدفت دولًا مجاورة، فيما تحدثت مصادر عن تشكيل خلايا صغيرة تضم نحو عشرة أفراد لتولي عمليات إطلاق المسيّرات.

كما أشارت إلى أن فصائل عراقية موالية لإيران عملت خلال الفترة الماضية على تطوير قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة، وأن إحدى الجماعات التي تحمل اسم “أولياء الدم” تضم مستشارين مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني، وتبنت هجمات استهدفت الأردن والكويت والسعودية.

وتثير هذه التطورات مخاوف لدى الحكومة العراقية من استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، خصوصًا مع اقتراب موعد انتهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق.

بغداد بين واشنطن وطهران

وتأتي زيارة طهران بعد أقل من أسبوع على زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة، حيث أجرى مباحثات مع مسؤولين أميركيين تناولت ملفات اقتصادية وأمنية، ما يعكس محاولة بغداد الحفاظ على علاقات متوازنة مع الطرفين.

ويرى مراقبون أن توقيت الزيارة يمنحها أهمية سياسية تتجاوز الملفات الاقتصادية، إذ تسعى الحكومة العراقية إلى تقديم نفسها كطرف قادر على إدارة علاقاته الخارجية بعيدًا عن الاصطفافات، مع التأكيد على أن القرار الأمني والعسكري يجب أن يبقى بيد مؤسسات الدولة.

وقال محللون إن بغداد تدرك حجم النفوذ الإيراني داخل المشهد السياسي والأمني العراقي، لكنها في الوقت نفسه تحاول منع أي تصعيد قد يعرّض مصالحها للخطر أو يحول أراضيها إلى ساحة مواجهة بين واشنطن وطهران.

منع انتقال المواجهة إلى العراق

مصادر سياسية عراقية أشارت إلى أن الزيدي سيبحث مع المسؤولين الإيرانيين ضرورة تجنب انتقال الصراع الإقليمي إلى الأراضي العراقية، والتأكيد على أن العراق لا يريد أن يكون طرفًا في أي مواجهة عسكرية.

وبحسب المصادر، فإن ملف الفصائل المسلحة لن يُطرح على شكل طلب مباشر من طهران لنزع السلاح، لكنه سيكون حاضرًا ضمن النقاشات المتعلقة بأمن العراق واستقراره، خصوصًا مع ارتباط بعض الجماعات المسلحة بالمواقف الإيرانية من التطورات الإقليمية.

كما تسعى بغداد للحصول على ضمانات بعدم استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد المصالح الأميركية أو دول المنطقة، في ظل تصاعد المخاوف من ردود فعل عسكرية متبادلة بين واشنطن وطهران.

مرحلة أمنية جديدة

ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية تعتبر المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرتها على تعزيز سلطة الدولة، خصوصًا مع قرب انتهاء مهمة التحالف الدولي، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المشهد الأمني الداخلي.

وفي ظل استمرار التوتر الإقليمي، تدخل زيارة الزيدي إلى طهران كجزء من مسار دبلوماسي أوسع تحاول بغداد من خلاله تثبيت موقعها كحلقة تواصل بين القوى المتنافسة، مع الحفاظ على أولوية الأمن الداخلي ومنع تحول العراق إلى ساحة صراع مفتوحة.

السابق
نواف سلام: الدولة ستكون حاضرة بقوة لمساعدة جنوب لبنان
التالي
عون عاد بالدعم الأميركي..وحزب الله يرفع السقف ويرفض ربط الانسحاب بنزع السلاح