يتزامن اليوم الأحد 12 تموز (يوليو) 2026 مع نبأ حزين هزّ الأوساط العربية واللبنانية، بإعلان الديوان الأميري القطري وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز 74 عاماً.
ومع هذا الرحيل الفاجع، يفتح اللبنانيون دفاتر الوفاء والذاكرة لاستحضار واحدة من أنصع محطات العلاقات الأخوية الاستثنائية التي تجاوزت البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة، لتتحول إلى بلسم حقيقي داوى جراح شعبٍ بأكمله في أكثر لحظاته المصيرية حرجاً؛ وهي الهبّة الأخوية الصادقة التي قادتها دولة قطر بتوجيهات ومبادرة شخصية وميدانية من الراحل الكبير عقب العدوان الإسرائيلي الشامل على لبنان في تموز (يوليو) عام 2006.
لم يقتصر دعم الفقيد حينها على البيانات السياسية أو الشيكات المالية عن بُعد، بل تجسد في حضور ميداني غير مسبوق لزعيم عربي سار فوق ركام الضاحية الجنوبية لبيروت، مطلقاً أكبر ورشة إعمار وتنمية شهدها التاريخ اللبناني المعاصر تحت الشعار الذي خلّده اللبنانيون في وجدانهم: «شكراً قطر».
كسر الحصار والزيارة التاريخية للضاحية الجنوبية
في آب (أغسطس) 2006، وضعت حرب تموز أوزارها بعد 34 يوماً من القصف الإسرائيلي العنيف الذي خلف دماراً هائلاً في البنى التحتية، والمربعات السكنية، والقرى الحدودية. وفي ظل أجواء أمنية معقدة وحصار جوي وبحري كان ما يزال يفرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي على الأجواء اللبنانية، اتخذ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قراراً شجاعاً بكسر هذا الطوق أمنياً وسياسياً.
وفي بدايات الخريف التموزي، وتحديداً في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2006، حلّ الأمير القطري الراحل كأول زعيم عربي ودولي يزور لبنان رسمياً وميدانياً بعد الحرب. ولم تكن الزيارة مقتصرة على القصور الرئاسية في بعبدا أو السراي الحكومي، بل أصرّ الشيخ حمد على التوجه مباشرة إلى قلب التدمير الإسرائيلي: الضاحية الجنوبية لبيروت.
تركت هذه الجولة الميدانية أثراً سياسياً ومعنوياً هائلاً؛ حيث سار الأمير القطري الراحل برفقة الوفود الرسمية واللبنانية الشابة بين تلال الركام والرماد في حارة حريك، وبئر العبد، والرويس. عاين الأمير بعينه حجم الوجع الإنساني والدمار العمراني، والتقى بالأهالي الصامدين فوق أنقاض بيوتهم، موجهاً رسالة واضحة للعالم: «لبنان لن يُترك وحيداً، والكرامة العربية تقتضي إعادة بناء ما هدمته آلة الحرب».
الاستراتيجية القطرية في الدعم المالي واللوجستي
لم تكن زيارة الأمير الراحل مجرد جولة تضامنية لالتقاط الصور، بل كانت إيذاناً بانطلاق خطة تنفيذية فورية وضعتها الدوحة تحت إشراف لجنة قطريّة متخصصة تأسست خصيصاً لإدارة ملف البناء: «المشروع القطري لإعادة إعمار لبنان».
تميزت المبادرة القطرية بأسلوب ذكي ومباشر، ابتعدت فيه عن البيروقراطية الحكومية اللبنانية المعتادة لتصل الحقوق إلى أصحابها بسرعة قياسية، وتوزع الدعم عبر عدة محاور استراتيجية:
1. تبني إعمار بلدات الجنوب بالكامل
أعلنت دولة قطر بتوجيهات الأمير الراحل عن تبنيها الكامل لإعادة إعمار وترميم أربع بلدات استراتيجية في جنوب لبنان عانت من التدمير الكلي والشامل، وهي: بنت جبيل، الخيام، عيتا الشعب، ومجدل زون. شمل هذا التبني إعادة بناء آلاف الوحدات السكنية والمحال التجارية من الصفر، فضلاً عن البنى التحتية وشبكات المياه والكهرباء التابعة لها.
2 . ترميم دور العبادة والمؤسسات التعليمية
أولت الإدارة القطرية أهمية قصوى لرمزية الهوية الثقافية والدينية؛ فقامت بإعادة بناء وترميم الكنائس والمساجد والحسينيات والمقامات التاريخية التي استهدفها القصف الإسرائيلي دون تمييز طائفي، ومن أبرزها إعادة إعمار كنيسة مار جرجس التاريخية في القليعة، والجامع الكبير في بنت جبيل، وغيرها من الصروح التي عززت السلم الأهلي والتضامن والعيش المشترك في القرى الأمامية.
3. الدعم المالي النقدي المباشر للمتضررين
بأمر من الشيخ حمد، سددت قطر مبالغ نقدية مباشرة (مساعدات عاجلة للإيواء وبدلات الإيجار) لآلاف العائلات المهجرة التي فقدت منازلها في الضاحية والجنوب والبلدات الأخرى، مما ساعد السكان على الصمود وشراء المستلزمات الأساسية في انتظار اكتمال بناء شققهم ومنازلهم الجديدة.
4. ملف المستشفيات والمراكز الطبية
امتدت الأيادي القطرية البيضاء لتطال القطاع الصحي الذي شارف على الانهيار؛ فتكفلت الدوحة بإعادة بناء وتجهيز مستشفى بنت جبيل الحكومي ومستشفى الخيام بالكامل، وتزويدهما بأحدث المعدات الطبية وغرف العمليات وسيارات الإسعاف، لضمان بقاء وتثبيت المواطنين في أرضهم وتوفير الرعاية الطبية الفورية لهم.
الأبعاد السياسية والإنسانية لشعار «شكراً قطر»
تحول الشعار العفوي «شكراً قطر» الذي رفعه المواطنون اللبنانيون على طول الطرقات الدولية وفي أحياء الضاحية الجنوبية المتضررة إلى أيقونة سياسية وإنسانية. لقد لامست المبادرة القطرية قلوب اللبنانيين لأنها تميزت بـ «السرعة، النزاهة، والوقوف اللامشروط مع لبنان وحقه في المقاومة والصمود».
وكان للقيادات السياسية والروحية اللبنانية كافة من مختلف الطوائف إشادات دورية متواصلة بالدور القطري الفاعل الذي نجح في كسر التداعيات الكارثية للحرب، وحمى لبنان من خطر الفتن الداخلية التي كانت تغذيها الضغوط الاقتصادية الناجمة عن النزوح الشامل وتدمير سبل العيش.
إن زيارة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان في أعقاب حرب 2006 لم تكن حدثاً عابراً في تاريخ البلدين، بل أرست مداميك علاقة استراتيجية وروحية عميقة بين الشعبين القطري واللبناني.
واليوم، إذ يرحل جسدياً تاركاً بصماته حية في المدن والبلدات التي نفضت غبار الموت لتعمر من جديد، يستذكر لبنان بكل وفاء هذا القائد الكبير. لقد أثبتت تجربة الراحل أن الموقف القطري شكل نموذجاً يُحتذى به في المروءة العربية والدبلوماسية الإنسانية الفاعلة؛ فمن خلال مبادرته التاريخية أُعيد بناء الحجر، وحُفظت كرامة البشر، وظل إرث الشيخ حمد بن خليفة محفوراً بحروف من نور في وجدان الذاكرة اللبنانية المعاصرة كقائد عروبي أفعاله سبقت أقواله في أوقات المحن الشديدة.

