بعد ان تقوم بتنظيف وترتيب المنزل الذي تسكنه في احدى بلدات قضاء صور، تجلس “مريم” على شرفة المنزل وهو الذي نزحت اليه عام ٢٠٢٣، عند بدء حرب الاسناد، وتضرر منزلها الاساس الواقع في بلدة جنوبية عند الحدود مع فلسطين المحتلة.
تجلس شاردة تشعر بالقلق، تسمع صوتاً اتياً من بعيد، تخاف ان يكون صوت مسيرة او قذيفة بعيدة.
تلتفت الى كل الجهات، لا ترى سوى منازل طالها القصف والدمار، بعضها بحاجة الى ترميم وبعضها الى إعادة بناء. تسأل نفسها: كيف سيعيد اصحاب المنازل بناءها؟ تدمع عيناها، وهي تسمع يومياً ان لا مساعدات لاعادة البناء حتى اللحظة سوى وعود هنا وهناك، تتذكر شيئاً اخر، تتذكر منزلاً كان يوماً منزلها في تلك البلدة الحدودية واخبروها ان البلدة جرى تدميرها بالكامل،فتنهمر الدموع من عينيها، وتقول:” لا يبق للانسان سوى الذكريات، وهذه يحاولون إزالتها”.
“مريم” إمرأة جنوبية بلغت سن الأربعين وهي في مركز إيواء في مدينة صيدا، لم تستطع الاحتفال بعيد ميلادها وهي تعيش في غرفة مدرسة مع عائلات جنوبية اخرى، شعرت انها صارت في عمر النضج الإنساني الذي يسمح لها ان تفكر بعقلانية اذا سمحت لها الظروف.
تمسح “مريم” دموعها وتتذكر عندما كانت طفلةصغيرة تلعب مع رفيقاتها وتحلم ببناء مستقبل كريم وآمن.
لم تكمل دراستها ولم تستطع الحصول على فرصة عمل تؤمّن لها مستقبلها، والمستقبل يرسمه الزوج كما يفكر البعض، وزواجها لم يؤمن لها الاستقرار والأمان ولم يبن لها مستقبل، بل أعطاها طفلين، وبعدها انهار الزواج وبقيت وحدها تصارع من اجل طفليها، لم يعد لدينا حلم سوى ان ترعى طفليها، وتؤمن لهما ما يريدان.
في حرب الاسناد، تركت بلدتها وتركت منزلها لكنها احتفظت بذاكرتها وما بقي فيها من ذكريات، ونزحت الى بلدة في قضاء صور.
القدر لم يتركها، ظل يلاحقها حتى أصابها بمرض السرطان، المصيبة تلازمها ومقاومتها المرض ترافق مع نضالها من اجل مستقبل أطفالها.
في مركز الإيواء في صيدا، “مريم” مشغولة دائماً، متابعة وضعها الصحي، الاهتمام باطفالها ومشاركة مع ادارة مركز الإيواء علها تقوم بواجباتها نحو أهلها الجنوبيين.
اليوم تقضي وقتها بالتفتيش عن فرصة عمل كي تؤمن لقمة عيشها وأولادها، سألها احد الأصدقاء عن حلمها المستقبلي، لم تأت على ذكر معالجة مرضها، اجابت:”ما أحلم بتحقيقه ان استطيع تسفير ابنائي الى الخارج علهما يعيشان بأمان واستقرار”.
ينظر المرء اليها يلحظ عيوناً ترنو الى أفق تسعى ليكون مفتوحاً.

