استفاق اللبنانيون فجأة على وجود لبنانين، واحد فوق الارض وآخر تحت الارض. تماماً كما تبين وجود دولتين، واحدة شرعية ومعترف بها قانونياً ودولياً، وأخرى غير قانونية ولا شرعية، ولكنها فرضت نفسها ومارست سلطتها بقوة السلاح والمال.
إذن لم يعد السؤال في لبنان ما إذا كانت السيادة منقوصة، بل كيف أصبح هذا النقص واقعاً يومياً مكشوفاً، يتداوله الجميع من دون أن يمتلك أحد القدرة على تغييره. ما كان حتى الأمس القريب يُقال همساً، أو يُطرح من قلّة تُتَّهم بالمبالغة، أصبح اليوم على كل لسان.
وتبيّن انه إلى جانب لبنان الظاهر، بمؤسساته الهشة وخطابه العلني، كان قد تكرّس لبنان آخر تحت الأرض. ليس كصورة بلاغية، بل كواقع بنيوي: شبكة من الأنفاق والبنى الموازية التي لم تعد مجرد أداة عسكرية، بل تحوّلت إلى تعبير عن سيادة بديلة، تُدار خارج أي إطار دستوري أو مساءلة عامة. هذا “اللبنان المخفي” لم يعد تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل أصبح العامل الأكثر تأثيراً في رسم مصير البلد.
في السابق، كان يمكن القول إن المشكلة تكمن في غياب النقاش أو في الخوف من طرح الأسئلة. أما اليوم، فقد سقط هذا التبرير. الأسئلة مطروحة بوضوح: من يقرّر الحرب؟ من يضع المجتمع في قلب المواجهة؟ ومن يتحمّل النتائج؟ لكن ما ينقص هو الانتقال من السؤال إلى الفعل، بعد ان اتخذ القرار.
هنا تحديداً تتقدّم مسؤولية الدولة، لا بوصفها فكرة مجردة، بل كسلطة يفترض أن تمتلك القدرة على ترجمة هذا الوعي إلى مسار سياسي فعّال، مع غالبية الشعب اللبناني الذي يدعم خطواتها السيادية. كي لا يستمر وجود “لبنان تحت الأرض” في ترسيخ نفسه، لا كاستثناء، بل كقاعدة غير معلنة.
الأخطر في هذا الواقع ليس فقط وجود هذه البنية، بل كيف تم تغييب طابعها الزاحف والصامت. فهي لم تفرض نفسها دائماًً بالضجيج، بل زحفت كـ”الماء تحت التبن”: حاضرة، كامنة، وقادرة على إعادة تشكيل المعادلة في أي لحظة. وهذا ما جعلها أكثر تأثيراً، لأنها أبقت المجتمع في حالة توتر دائم بين ما يُرى وما لا يُرى، بين القرار المعلن والقرار الفعلي.
الأخطر في هذا الواقع ليس فقط وجود هذه البنية، بل كيف تم تغييب طابعها الزاحف والصامت
لم يعد ممكناً الاكتفاء بوصف هذا التعقيد أو الاحتماء خلفه. فالمشكلة لم تعد غموضاً يحتاج إلى كشف، بل واقعاً مكشوفاً يحتاج إلى مواجهة. وكل تأجيل لهذه المواجهة لا يعني الحياد، بل يساهم في تثبيت ميزان قوى يبتعد أكثر فأكثر عن فكرة الدولة.
اليوم، يقف لبنان أمام لحظة مختلفة: لحظة لم تعد فيها الحقيقة موضع خلاف، بل موضع اختبار. اختبار لقدرة الدولة على استعادة دورها كاملاً، ولقدرة المجتمع على تحويل إدراكه إلى موقف. لأن ما يتقرّر الآن لن يبقى في حدود “لبنان تحت الأرض”، بل سينعكس حتماً على كل ما هو فوقه.
الرؤية التي لا تتحوّل إلى فعل، تتحوّل مع الوقت، إلى شكل آخر من أشكال التكيّف
في النهاية، لا يكفي أن نرى. الرؤية التي لا تتحوّل إلى فعل، تتحوّل مع الوقت، إلى شكل آخر من أشكال التكيّف. وهنا تكمن الخطورة: أن يصبح ما كان مرفوضاً واقعاً عادياً، وأن يتحوّل الناس، مرة أخرى، إلى مجرد متلقّين لقرارات تُصنع في مكان آخر.
من هنا ضرورة كسر الحلقة التي تحوّل المعرفة إلى عجز. فـ”لبنان الأنفاق تحت الأرض” لن يتراجع من تلقاء نفسه. ولقد تبين مدى خطورة هذه الانفاق التي عندما تقوم اسرائيل بتفجيرها، تتسبب بأضرار بالغة لمزيد من هدم القرى الى حد شطرها في بعض الاحيان، فتغير طوبوغرافيا المكان، ما سيمحو معالم حدود الملكيات.
كما ان أخطر ما في “لبنان تحت الأرض” ليس فقط ما يمثّله من قوة عسكرية، بل ما يفرضه من إعادة تشكيل صامتة للعقد الاجتماعي. ففي ظل ازدواجية السيادة، يصبح المواطن معلقاً بين نظامين: أحدهما ظاهر لكنه عاجز، وآخر خفي لكنه فعّال. وفي هذه المساحة المعلّقة، تتآكل فكرة الدولة تدريجياً، ويُختزل الأفراد إلى مجرد عناصر في معادلات أكبر منهم، وتزداد المطالبات بالفدرالية أو ما هو أدهى من ذلك.
في هذه المساحة المعلّقة، تتآكل فكرة الدولة تدريجياً، ويُختزل الأفراد إلى مجرد عناصر في معادلات أكبر منهم
المسألة لم تعد توصيفاً ولا خلافاً في الرأي، بل اختباراً: إمّا استعادة القرار إلى العلن، أو التسليم بأن ما يُدار “تحت الأرض” هو الذي يحكم فعلياً. وفي لحظات كهذه لا ينجو بلد بنصف سيادة.
ولهذا، فإن المعركة اليوم لم تعد في كشف الحقيقة، بل على امتلاك القدرة على تغييرها.

