لم تحمل الساعات الماضية تطورات حاسمة على مسار تنفيذ “اتفاق الإطار” بين لبنان وإسرائيل، إلا أنها كشفت بوضوح انتقال المواجهة إلى الداخل اللبناني، حيث تتقاطع المعركة السياسية بين محاولات إسقاط الاتفاق تحت قبة البرلمان، وحملات تستهدف المؤسسة العسكرية وقيادتها، في مقابل موقف رسمي حازم يؤكد أن الجيش سيبقى المرجعية الوطنية لتنفيذ قرارات الدولة، وأن محاولات التشكيك بقيادته لن تغيّر في مهمته أو في الثقة السياسية والشعبية التي يحظى بها.
وجاء لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بقائد الجيش العماد رودولف هيكل ليضع حداً للشائعات التي روّجت خلال الأيام الماضية عن وجود خلاف بين الرئاسة وقيادة الجيش على خلفية تنفيذ الاتفاق. فقد شدد عون على تقديره للدور الذي تؤديه المؤسسة العسكرية في بسط سلطة الدولة وحماية الأمن والاستقرار وضبط الحدود، مؤكداً أن حملات الافتراء والتشكيك لن تؤثر في أداء الجيش ولا في التزامه تنفيذ قرارات السلطة السياسية.
بري يرسم جبهة برلمانية معارضة
في المقابل، تتجه الأنظار إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي بدأ تحريك اتصالاته لتشكيل جبهة سياسية ونيابية تعارض اتفاق الإطار، في محاولة لمنع تثبيته سياسياً أو إسقاطه في المجلس النيابي، بعدما بات واضحاً أن أي تصعيد ميداني أو محاولة لإسقاط الحكومة لا يحظيان بغطاء داخلي أو خارجي في هذه المرحلة.
وفي هذا السياق، اكتسب لقاء بري مع رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل أهمية خاصة، إذ أعلن الأخير وجود توافق مع رئيس المجلس على رفض أي فتنة داخلية، وعلى ضرورة حماية المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن لوحدة البلاد، مع التشديد على أن الدولة وحدها يجب أن تحتكر القرار والسلاح والشرعية، في موقف يعكس تقاطعاً على حماية الاستقرار رغم استمرار التباينات حول اتفاق الإطار نفسه.
حزب الله يصعّد ويربط لبنان بإيران
في المقلب الآخر، واصل حزب الله حملته التصعيدية ضد الاتفاق، رافضاً الاعتراف به ومعتبراً أنه يشكل “اتفاق استسلام”. كما أعاد التأكيد على رفض أي نقاش حول سلاحه، معتبراً أن السلطة اللبنانية انقلبت على تفاهمات سابقة واختارت الانحياز إلى المشروع الأميركي والإسرائيلي.
وفي السياق نفسه، برزت مواقف إيرانية أكدت استمرار اهتمام طهران بالملف اللبناني، فيما شدد النائب حسين الحاج حسن على أن إيران كانت تصر في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة على إدراج لبنان ضمن أي تفاهم يتعلق بوقف الحرب وانسحاب إسرائيل، معتبراً أن السلطة اللبنانية فضّلت الذهاب إلى اتفاق منفصل يخدم إسرائيل أكثر مما يخدم لبنان، وفق تعبيره.
في المقابل، ارتفعت أصوات سياسية تتهم الحزب بالإبقاء على لبنان رهينة للمصالح الإيرانية، معتبرة أن طهران تفاوض مباشرة مع واشنطن لحماية مصالحها، بينما يُطلب من اللبنانيين الاستمرار في دفع أثمان الصراعات الإقليمية.
تنفيذ الاتفاق ينتظر الخطوات العملية
سياسياً وأمنياً، تتواصل الاتصالات بين الجانب اللبناني والولايات المتحدة لاستكمال آليات تنفيذ اتفاق الإطار، بعد زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر إلى بيروت، حيث جرى البحث في إطلاق المرحلة الأولى من التنفيذ عبر ما يعرف بـ”المناطق النموذجية” في الجنوب، تمهيداً لتوسيع انتشار الجيش وترسيخ سلطة الدولة على الأرض.
ويبدو أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها وسط الانقسام السياسي الداخلي، في وقت تراهن فيه الجهات الداعمة للاتفاق على أن نجاح الخطوات الأولى سيؤسس لمسار أكثر استقراراً، فيما يواصل المعارضون استعداداتهم لخوض مواجهة سياسية داخل المؤسسات الدستورية.
القرار الإماراتي ينعش الآمال
وفي موازاة التجاذب السياسي، تلقى لبنان جرعة دعم عربية مع قرار دولة الإمارات العربية المتحدة السماح لمواطنيها بزيارة لبنان، في خطوة لاقت ترحيباً رسمياً واسعاً، لما تحمله من دلالات سياسية واقتصادية وسياحية.
ورأت وزارة الخارجية اللبنانية أن القرار يشكل ثمرة مباشرة لزيارة رئيس الجمهورية إلى أبو ظبي، ويعكس عودة الثقة العربية بلبنان، معربة عن أملها بأن يشكل مدخلاً لتعزيز العلاقات مع مختلف الدول العربية، ويفتح الباب أمام موسم سياحي واستثماري يعيد بعض الحيوية إلى الاقتصاد اللبناني في مرحلة بالغة الحساسية.

