لبنان والطائفية: من نظام الجماعات إلى دولة المواطنة

لبنان

منذ نشأة دولة لبنان الكبير عام 1920، لم يتوقف اللبنانيون عن البحث عن صيغة توازن تضمن العيش المشترك وتحفظ خصوصية مكونات المجتمع المتعددة. وقد بدا في مراحل عديدة أن النظام الطائفي يشكل حلاً عملياً لإدارة التنوع اللبناني، لكنه مع مرور الزمن تحول من وسيلة لتنظيم الاختلاف إلى عائق أمام بناء الدولة الحديثة، ومن ضمانة للتوازن إلى مصدر دائم للأزمات والانقسامات.

الجذور التاريخية للطائفية السياسية

لم تنشأ الطائفية السياسية في لبنان من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكمات تاريخية تعود إلى العهد العثماني، حيث كانت الجماعات الدينية تتمتع باستقلال نسبي في إدارة شؤونها الخاصة. وقد عزز نظام الملل آنذاك الانتماءات الطائفية بوصفها الإطار الأساسي للعلاقة بين الفرد والسلطة. وعندما وُلد لبنان الحديث، انتقلت هذه البنية الاجتماعية إلى الدولة الناشئة، فأصبحت الطوائف شريكاً أساسياً في تكوين السلطة وفي توزيع المناصب والمسؤوليات.

ومع الاستقلال عام 1943، جاء الميثاق الوطني ليؤسس لتفاهم تاريخي بين اللبنانيين، فكان خطوة مهمة في تثبيت الكيان المستقل وإنهاء الانتداب. إلا أن هذا الميثاق قام على توزيع السلطة بين الطوائف الرئيسية، فجرى تخصيص الرئاسات والمواقع الأساسية وفق الانتماء الطائفي. وربما كان هذا الخيار مفهوماً في ظروف تلك المرحلة، لكنه أدى مع الوقت إلى ترسيخ مفهوم الطائفة بوصفها المدخل الطبيعي إلى الدولة، لا المواطنة.

الدولة والزعامة الطائفية

خلال العقود اللاحقة، شهد لبنان نمواً اقتصادياً وثقافياً لافتاً، لكنه لم ينجح في بناء مؤسسات قادرة على تجاوز الانقسامات الطائفية. فقد بقيت الوظائف العامة والتعيينات والإدارات خاضعة، بدرجات متفاوتة، لمعادلات التوازن الطائفي، فيما لجأ المواطن إلى زعيم الطائفة للحصول على حقوق يفترض أن تكفلها الدولة. وهكذا نشأت علاقة تبعية متبادلة بين المواطن والزعيم، أضعفت المؤسسات ورسخت الولاءات الضيقة.

ومع تصاعد الأزمات الاجتماعية والسياسية والإقليمية، انفجرت الحرب الأهلية عام 1975، لتكشف حجم التصدعات الكامنة في البنية اللبنانية. وعلى امتداد خمسة عشر عاماً، دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً من الدماء والتهجير والدمار، واختبروا بأقسى الصور نتائج الانقسام والاحتكام إلى العصبيات الطائفية والمناطقية. وكانت تلك الحرب دليلاً واضحاً على أن التعايش الحقيقي لا يمكن أن يستند إلى توازنات هشة أو إلى موازين قوى متغيرة، بل إلى دولة عادلة يشعر الجميع بالانتماء إليها.

اتفاق الطائف بين الإصلاح والتأجيل

عندما أُقر اتفاق الطائف عام 1989، نجح في وقف الحرب وإعادة توحيد المؤسسات الدستورية والعسكرية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي. غير أن الاتفاق حمل في داخله مفارقة أساسية؛ فمن جهة أعاد تنظيم السلطة على أساس توازنات طائفية جديدة، ومن جهة أخرى نص بوضوح على أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني يجب العمل على تحقيقه تدريجياً. لكن ما حدث في العقود التالية أن الجزء الأول من الاتفاق طُبق بحماسة، بينما بقي الجزء المتعلق بإلغاء الطائفية مؤجلاً ومهملاً.

لقد تحولت المحاصصة الطائفية بعد الحرب إلى نظام متكامل لإدارة الدولة. وأصبحت معظم الاستحقاقات السياسية والإدارية تخضع لحسابات التوازن بين الطوائف والقوى النافذة. وبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً جامعاً لجميع المواطنين، تحولت في كثير من الأحيان إلى مساحة لتقاسم النفوذ والمصالح. ومع تراجع المحاسبة وغياب الشفافية، تمدد الفساد داخل المؤسسات، وازدادت الفجوة بين المواطن والدولة.

الانهيار الكبير وأسئلة البديل

ومع الانهيار المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان في السنوات الأخيرة، ظهرت بوضوح حدود النظام الطائفي وعجزه عن مواجهة الأزمات الكبرى. فقد اكتشف اللبنانيون أن الطوائف، على اختلافها، لم تتمكن من حمايتهم من الفقر أو البطالة أو فقدان المدخرات أو انهيار الخدمات الأساسية. وأصبح السؤال المطروح بإلحاح: إذا كان النظام الطائفي قد فشل في تأمين الاستقرار والتنمية والعدالة، فما الذي يمنع البحث الجدي عن بديل أكثر قدرة على بناء الدولة؟

إن الدعوة إلى إلغاء الطائفية لا تعني إلغاء الطوائف أو محاربة الدين أو تجاهل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع اللبناني. فالتنوع الديني والثقافي جزء أساسي من هوية لبنان ومن غناه الحضاري. لكن المطلوب هو الانتقال من دولة تُعرِّف المواطن من خلال طائفته إلى دولة تُعرِّفه من خلال حقوقه وواجباته كمواطن.

خطوات الانتقال إلى الدولة المدنية

ولا يمكن أن يتحقق هذا الانتقال بقرار مفاجئ أو بشعارات سياسية مجردة، بل يحتاج إلى مسار تدريجي ومدروس يبدأ بتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ مبدأ الكفاءة في الإدارة العامة، وإصلاح النظام التعليمي بما يعزز ثقافة المواطنة، وإقرار قانون مدني اختياري أو موحد للأحوال الشخصية، وتطوير قانون انتخابي يشجع قيام أحزاب وطنية عابرة للطوائف.

كما أن بناء دولة المواطنة يتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم المصلحة العامة. فالدولة الحديثة لا تقوم على توزيع الحصص بين الجماعات، بل على المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص والمساءلة. وعندما يشعر المواطن أن حقوقه محفوظة بوساطة القانون لا بوساطة الزعيم، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالطائفة ويزداد الانتماء إلى الوطن.

أزمة نظام لا أزمة طائفة

لقد تداولت الطوائف اللبنانية المختلفة مواقع النفوذ والتأثير عبر العقود، وتبدلت موازين القوى مرات عديدة، لكن المشكلات الأساسية بقيت قائمة. وهذا يدل على أن الأزمة ليست أزمة طائفة بعينها، بل أزمة نظام جعل الطائفة محور الحياة السياسية والإدارية. ومن هنا، فإن إصلاح لبنان لا يبدأ بتغيير الوجوه فقط، بل بإعادة النظر في القواعد التي تحكم العلاقة بين المواطن والدولة.

نحو صفحة جديدة في تاريخ لبنان

إن قرناً كاملاً من التجربة اللبنانية يكفي لاستخلاص درس أساسي: لا يمكن بناء وطن قوي ومستقر على أساس المحاصصة الدائمة. وحدها دولة المواطنة، القائمة على العدالة والمساواة وسيادة القانون، قادرة على حماية التنوع اللبناني وتحويله من مصدر انقسام إلى مصدر قوة. وعندما يصبح اللبناني مواطناً أولاً، قبل أي انتماء آخر، يمكن للبنان أن يفتح صفحة جديدة في تاريخه، صفحة يكون فيها الوطن لجميع أبنائه والدولة فوق الجميع.

أبرز التعديلات اقتصرت على تصحيح علامات الترقيم، وإضافة فواصل اعتراضية في بعض المواضع، وتصويب عبارة «العمل لتحقيقه تدريجياً» إلى «العمل على تحقيقه تدريجياً» لسلامة التركيب اللغوي، مع إدراج عناوين فرعية منسجمة مع تسلسل الأفكار من دون المساس بالمضمون أو الأسلوب.

السابق
مسؤول أميركي: الأموال المجمدة رهن تنفيذ إيران لالتزاماتها