الأمن الداخلي مسؤولية وطنية.. وإدارة أزمة النزوح ضرورة لحماية الاستقرار

حسان القطب

الظروف الصعبة التي تواجه لبنان واللبنانيين، وخاصة الجنوبيين منهم، نتيجة الحرب الإسرائيلية المدمرة والمستمرة، ومع تراجع الدعم الدولي، وغياب المساعدات الكافية لتأمين حاجات النازحين، ومع تردي الوضع الأمني نتيجة غياب خطة أمنية تضمن استقرار الداخل وتمنع أدوات الفتنة من بث سمومها أو أحقادها.. نرى أن المطلوب لحماية الاستقرار والتنبه من أية أصوات شاذة أو فتنوية، من أية جهة صدرت، يكمن في تشكيل إدارة حقيقية لأزمة النزوح، بحيث تخرج المعالجة من دائرة ردة الفعل إلى رسم سياسة استيعابية منظمة، تتضافر فيها جهود كافة القوى الرسمية والمدنية والأمنية والسياسية.. وحتى الحزبية، لضمان الأمن والاستقرار، ووأد أية محاولة لإثارة الفتنة، خاصة مع ارتفاع بعض الأصوات المسيئة التي تزرع الخوف كما القلق، أو بممارسات تتنافى مع عادات وتقاليد وثقافة وعقائد كل منطقة من المناطق اللبنانية التي استقبلت النازحين واستوعبت القادمين على أسس وطنية وإنسانية.

وهذا يعني أن المطلوب من الجميع احترام ثقافة بعضهم البعض، والانتباه إلى المفردات والمصطلحات التي تثير الانقسام والضغينة، وعدم القيام بأي نشاط يؤدي إلى التشجيع على الفتنة أو يؤجج الانقسام، وخدمة ما يطمح إليه العدو الصهيوني من نقل الصراع إلى الداخل اللبناني، للتغطية على جرائمه وممارساته العدائية من قتلٍ وتهجير وتدمير.

الخوف المشروع والقلق الذي تغذيه بعض الخطابات

من الطبيعي أن يعيش المواطن النازح حالة من القلق والخوف على المصير والمستقبل، نتيجة ما يراه ويسمعه بشكلٍ يومي وبوتيرة مرتفعة من تصريحات ومواقف إسرائيلية عدائية، وكذلك من تحليلات سياسية محلية لا تعطيه الشعور بالأمان أو تعزز ثقته بمستقبل حياته على أرض الوطن، بل هي تزيد من خوفه وقلقه وعدم ثقته بشركائه في الوطن.

وهذا ما يجب التنبه له، لأن من الطبيعي أن تكون المواقف الإسرائيلية قاتمة ومعادية وعدائية ومقلقة، ولكن الخلل يكمن في التصريحات والمواقف التي تُطلق في الداخل من بعض الحزبيين أو المحللين السياسيين، وحتى بعض رجال الدين المعممين، الذين يعمدون إلى إثارة الخوف والقلق، ورفع منسوب عدم الثقة لدى النازحين من البيئات الحاضنة.

كما يعمد البعض إلى التلاعب بمضمون بعض التصريحات، سواء كانت مكتوبة أو تلفزيونية، لتأكيد حالة الانقسام والخلاف والاختلاف بين المكونات اللبنانية.

نقل الصراع من الحدود إلى الداخل

وهذا يعود إلى أن البعض من القادة السياسيين وحتى الدينيين، الذين فشلوا في تبرير ما يجري، وفي تفسير ما وصلنا إليه من انهيار أمني وعسكري وسياسي إلى بيئتهم بشكلٍ خاص، وإلى كافة اللبنانيين بشكلٍ عام، وخوفاً من تراجع حضورهم ودورهم وتأثيرهم على هذه البيئة التي تم الاستثمار فيها لسنوات وعقود، والتي قدمت لهم شبابها كما قدراتها المادية والإنسانية، لذا يعمدون إلى نقل الصراع والمواجهة من الحدود الجنوبية إلى الداخل اللبناني.

بحيث يعيش المواطن اللبناني والنازح بشكلٍ خاص حالة من الانفصام بين التركيز على مواجهة العدوان الإسرائيلي والسعي للخروج من دائرة المراوحة، وبين توجيه السؤال المباشر إلى الجهة الحزبية التي أطلقت شرارة الحرب دون أن يكون لديها القدرة على المواجهة الحقيقية والفعالة ضد عدو غاشم وقادر على تعميق جراح المواطن اللبناني، وحتى عدم قدرتها أيضاً على تأمين أبسط مقومات الصمود سواء على أرض الجنوب أو حتى في مراكز الإيواء.

وذلك مع غياب كامل ومؤسف لأية رؤية مستقبلية تعطي بعض الثقة بأن إعادة ما تهدم وتعويض ما تمت خسارته ممكنة، أو أن هناك خارطة طريق موضوعية لإطلاقها.

تسييس الحرب وإضفاء الأبعاد الدينية عليها

والمؤسف أيضاً أن هناك من يعطي هذه الحرب العدوانية أبعاداً دينية وتاريخية، ويقوم أيضاً بإسقاطها على الداخل اللبناني، وذلك للتهرب من الاعتراف بالمسؤولية، وبأن إدارته للحرب كما لتداعيات هذه الحرب لم تكن على المستوى المطلوب.

فلا يكون أمام هذا المسؤول أو ذاك إلا الاندفاع إلى إطلاق تصريحات عدائية، أو الحث على رفع منسوب المواجهة مع الداخل باعتباره متواطئاً أو متخاذلاً، أو تحميل المسؤولية لقوى الداخل التي رفضت منطق الحرب، سواء لأنها أدركت خطورة الانخراط فيها لعدم القدرة على مواجهة تداعياتها، أو لأنها لا تؤمن أصلاً بأن تكون جزءاً من محور سياسي وعسكري إقليمي.

الوعي الوطني في مواجهة الفتنة

لذا فإن ما نحتاج إليه اليوم هو أعلى درجات الوعي، من احترام القوانين إلى التجاوب مع قرارات المؤسسات الرسمية، وخاصة الصادرة عن الجهات الرسمية، وعدم الانجراف نحو التعدي أو التطاول أو إثارة الغرائز والنعرات، لمتابعة معركة المواجهة مع هذا العدو الذي يراهن على تفكك وحدتنا وتصادمنا بما يدمر بلدنا بأيدينا.

كما أن علينا جميعاً، ودون استثناء، أن نتوقف لمراجعة ما وصلنا إليه بعد هذه الحرب المدمرة التي لم تتوقف إلى الآن، لندرك أن كل يوم إضافي يمر يعطي الذريعة لإسرائيل ومن يدعمها لتدمير المزيد من قرانا وبلداتنا، وتهجير المزيد من أهلنا وشعبنا، وقتل أكبر عددٍ ممكن من المواطنين اللبنانيين أمام نظر العالم وسمعه.

وهنا نقول لمن يرفع أصوات الفتنة والتحريض، ويبحث عمن يقوم بتحميله مسؤولية ما يجري من دمار وقتل، سواء باحثاً في كتب التاريخ أو على أرض الواقع، إن من يتحمل مسؤولية شعب ووطن أو مجرد بيئة ومجتمع ومكوّن، عليه أن يكون أكثر عقلانية وموضوعية، وأن تكون لديه الشجاعة الكاملة لإعلان تحمله المسؤولية عما وصلنا إليه من معاناة ومآسٍ.

كما نقول لمن يشجع على استمرار الحرب رغم عدم التكافؤ، بأن عليه التوجه جنوباً والانخراط في هذه الحرب بشكلٍ مباشر، لا أن يقوم بالتنظير وإطلاق المواقف التحريضية من خلال الشاشات والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

الاستقرار الداخلي أولوية لا بديل عنها

لقد تعب شعبنا من سياسة التحريض وبث أفكار الانقسام والفرقة، وادعاءات القوة والقدرة التي لم تكن واقعية أو موضوعية.

لذلك فإن من المفروض، بل من الواجب، اعتبار أن الاستقرار الداخلي، وتعزيز الانسجام بين المكونات الداخلية، واستقرار السلطة السياسية، هي أولويات أساسية لمواجهة هذه الحرب العدوانية وتداعياتها الكارثية.

السابق
ترامب فوق رمال متحركة في حرب بلا أفق.. والسلام مستحيل!