تفيد مصادر مطلعة على كواليس المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية بأن المسؤولية الأساسية الملقاة على عاتق الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير سيمون كرم تتمثل في منع تجميد أو توقف جلسات التفاوض، ولو على المستوى الشكلي. أما على مستوى المضمون والنتائج، فتؤكد المصادر أن الوقائع الميدانية في الجنوب تتحدث عن نفسها، واصفة ما يجري بأنه “نكبة كبرى” على مختلف المستويات.
إسرائيل تحضر إلى الطاولة من دون رغبة في التفاوض
وتشير مصادر سياسية مطلعة حصل عليها موقع “جنوبية”، إلى أن الجانب الإسرائيلي لا يبدو راغباً فعلياً في التفاوض. ففي الجلسة الأخيرة، بدا أعضاء الوفد الإسرائيلي، وفق توصيفها، وكأنهم يحضرون على مضض، من دون حماسة للمفاوضات أو للأطر الموضوعة للنقاش. وتلفت إلى أن السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض كانت متخوفة أساساً من احتمال عدم حضور الوفد الإسرائيلي إلى الجلسة.
وتضيف أن إسرائيل تعيش أزمة سياسية داخلية عميقة مع اقتراب الانتخابات التشريعية للكنيست، وهي أزمة تتجاوز بعدها الانتخابي لتعبّر عن خلل بنيوي في المشهد السياسي الإسرائيلي. وحتى إجراء الانتخابات، سيبقى الكيان السياسي الإسرائيلي، بحسب المصادر، يتحرك وفق حساباته الذاتية بعيداً من أي التزامات جدية.
تؤكد المصادر أن الوقائع الميدانية في الجنوب تتحدث عن نفسها، واصفة ما يجري بأنه “نكبة كبرى” على مختلف المستويات.
واشنطن تملك أدوات الضغط… والبديل هو ما يجري في الجنوب
وعن الدور الأميركي، تؤكد نفس المصادر أن واشنطن تمتلك أدوات تأثير حقيقية على إسرائيل، لكنها ترد على منتقدي خيار التفاوض بالقول إن البديل عن استمرار المفاوضات هو المشهد القائم حالياً في الجنوب وما يحمله من مخاطر وتداعيات.
وفي هذا السياق، ترى المصادر أن هناك رفضاً إسرائيلياً واضحاً لكل من الانسحاب وإطلاق مسار إعادة الإعمار، معتبرة أن التباين الظاهر بين واشنطن وتل أبيب ليس سوى اختلاف في الأسلوب، فيما يبقى التنسيق الاستراتيجي قائماً بين الطرفين. وتضيف أن ما تحقق خلال الأيام الثلاثة الأخيرة جاء نتيجة ضغوط متزامنة أميركية ولبنانية.
مشروع أمني إسرائيلي يمتد من الخط الأزرق إلى جبل عامل
ميدانياً، تكشف المصادر أن الجيش الإسرائيلي نفذ عمليات تجريف واسعة امتدت من منطقة الخط الأزرق وصولاً إلى سفوح جبل عامل، بهدف إنشاء تلال ونقاط مراقبة تسمح برصد الحركة في العمق اللبناني، وإبعاد عناصر حزب الله والأسلحة المضادة للدروع لمسافة تقارب عشرة كيلومترات عن الحدود مع إسرائيل.
هناك رفض إسرائيلي واضح لكل من الانسحاب وإطلاق مسار إعادة الإعمار، معتبرة أن التباين الظاهر بين واشنطن وتل أبيب ليس سوى اختلاف في الأسلوب
المناطق التجريبية: نموذج لعودة الجيش والإعمار
وترى المصادر أن الهدف الأساسي للمفاوضات يتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار والحد من اتساع حجم الخسائر. كما يجري العمل على اعتماد “المناطق التجريبية” كنموذج أولي لعودة الجيش اللبناني إلى مناطق حيوية وحساسة، بما يسمح بعودة السكان إلى قراهم وبلداتهم والانطلاق في ورشة إعادة إعمار بتمويل خارجي وتحت إشراف الجيش اللبناني.
وتحذر المصادر من أن استمرار العقبات السياسية والميدانية قد يؤدي إلى تمدد رقعة الدمار لتشمل مناطق إضافية، وفي مقدمها الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي السياق نفسه، تنفي المصادر بشكل قاطع صحة المعلومات المتداولة عن وجود لائحة تضم 2300 مقاتل من حزب الله، معتبرة أن الجانب الإسرائيلي طرح أرقاماً مبالغاً فيها بهدف تضخيم حجم المشكلة وتعقيد المفاوضات.
وتؤكد أن الوفد اللبناني لا يزال يتمسك بأولوية عودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم قبل الخوض في أي ملفات أخرى.
عون كان يتوقع التوغل نحو النبطية
وعن موقف رئيس الجمهورية، تشير المصادر إلى أن الرئيس جوزاف عون كان يتوقع احتمال توسع الاحتلال الإسرائيلي باتجاه مدينة النبطية بعد دخوله منطقة قلعة الشقيف.
وتعتبر أن أهمية البيان الصادر عن الوفد اللبناني تكمن في تثبيته مطلب وقف إطلاق النار وإلزام إسرائيل به سياسياً، رغم التعثر المستمر في تطبيقه. كما ترى أن الإنجاز الأساسي للحكومة اللبنانية حتى الآن يتمثل في إنتاج موقف تفاوضي موحد.
وتلفت المصادر إلى أن تضمين البيان إدانة لإيران وللأذرع التابعة لها جاء استجابة لطلب مباشر من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مقابل حصول لبنان على وقف اطلاق نار والسّير بالمناطق التجريبيّة.
الوفد اللبناني لا يزال يتمسك بأولوية عودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم قبل الخوض في أي ملفات أخرى.
لا خلاف أميركياً – إسرائيلياً حقيقياً
وفي ما يتعلق بكواليس الجلسة الأخيرة، تؤكد المصادر المطلعة، أن الوفد اللبناني يحاول حالياً بلورة مسار بديل يحد من الخسائر، وقد أبلغ الوفد الإسرائيلي أن استمرار السياسة الحالية من شأنه تعزيز تشدد الموقف الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة.
كما تحذر المصادر من الوقوع في وهم الربط بين مسارات تفاوضية مختلفة، سواء في واشنطن أو إسلام آباد، معتبرة أن الخطر الأكبر يتمثل في استمرار التوغل الإسرائيلي في ظل عجز الحكومة اللبنانية عن فرض أي التزام مباشر على إسرائيل.
تشكيك في موعد الجلسة المقبلة
وتختم المصادر بالإشارة إلى وجود شكوك جدية حول انعقاد الجلسة المقبلة في موعدها المحدد، في ظل استمرار التعقيدات السياسية والميدانية التي تحيط بمسار التفاوض.

