على إيقاع مختلف ومساعٍ حثيثة، تتحرك القناة التفاوضية بوساطة أميركية لتعبيد الطريق أمام الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المرتقبة في الثاني والعشرين من الشهر الحالي في واشنطن.
وتشير الأجواء الدبلوماسية إلى أن الأيام الفاصلة عن هذا الموعد يُفترض أن تشهد تطورات إيجابية ترتبط مباشرة بتطبيق مخرجات الجولة الرابعة.
وفي هذا السياق، كشف مصدر سياسي رفيع لـ”نداء الوطن” أن السفير الأميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، نقل توضيحاً حاسماً خلال لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولاحقاً خلال اجتماعاته مع مستشاري بري، يؤكد أن الجانب الأميركي يتبنى وجهة النظر اللبنانية ويدعمها. وبحسب المصدر، نجحت الوساطة الأميركية في دفع الجانب الإسرائيلي إلى التراجع عن “مسودة إعلان النيات” التي كانت مطروحة سابقاً، لمصلحة المرتكزات التي تمسك بها الوفد اللبناني وحظيت بدعم أميركي واضح في المرحلة الأخيرة.
وتقوم هذه المرتكزات اللبنانية بالدرجة الأولى على حتمية التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار قبل الانتقال إلى أي مرحلة تالية تتعلق بـ “المنطقة التجريبية” أو المناطق المحظور فيها الأعمال القتالية، مما يعني عملياً عدم العودة إلى وقائع ما قبل الثاني من آذار الماضي، بل التأسيس لمرحلة جديدة تستند إلى تفاهمات مختلفة وآليات تنفيذ محددة يجري وضع اللمسات الأخيرة عليها لتوضيح مختلف الالتباسات والهواجس.
جولة تفاوضية بطابع عسكري تنفيذي
من جهتها، أوضحت مصادر سياسية لـ”اللواء” أن حالة من الترقب الحذر تسيطر على الأوساط المعنية لجهة ما ستؤول إليه المفاوضات المقبلة في واشنطن، والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى ترسيخ النقاط المتفق عليها في إعلان النوايا، وسط تأكيد رسمي حاسم على ثابتة “إطلاق النار أولاً”.
وفي تفصيل أعمق لطبيعة هذه المحادثات، كشفت مصادر حكومية لـ”الجمهورية” أن جولة واشنطن المقبلة بين لبنان وإسرائيل لن تكون مجرد لقاء سياسي استعراضي، بل ستأخذ طابعاً عسكرياً تنفيذياً بحتاً؛ كونها ستغوص في التفاصيل الدقيقة التي تصنع الاستقرار أو تفشله، ومن أبرزها:
- تحديد “المناطق التجريبية” ورسم خطوط الانسحاب.
- تقليص الطلعات الجوية الإسرائيلية وتحديد قواعد حرية الطيران.
- آليات دعم الجيش اللبناني وتفعيل منظومة المراقبة الدولية.
ووفقاً للمصادر، فإن هذه العناوين تمثل الترجمة العملية لسؤال السيادة الوطنية: مَن يراقب الالتزام؟ كيف يتم ملء الفراغ؟ ومَن يملك حق القول إن الحرب انتهت؟ معتبرة أن نجاح الدولة في انتزاع الأجوبة من داخل المؤسسات الرسمية سيجعل من التفاوض باباً حقيقياً لاستعادة القرار الوطني، لا ممراً لتكريس الأمر الواقع مجدداً على الحدود وفي الداخل، في مرحلة دقيقة لا ترحم أي ارتباك وطني.
مقاربة الرئيس عون: استعادة وظيفة الدولة
وفي المقلب السياسي الداخلي، لا يبدو أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يطرح هذه المفاوضات بوصفها قفزة في المجهول، بل يراها استعادة متدرجة لوظيفة الدولة اللبنانية التي صودرت طويلاً باسم “الضرورات”. وحين يؤكد عون أن الهدف من الذهاب إلى واشنطن هو أن لا يبقى اللبنانيون تابعين لأي جهة كانت، فهو يوجه رسالة مزدوجة للخارج والداخل معاً.
وتشير القراءة السياسية لهذه المقاربة إلى أن “الوصاية” ليست مجرد جيش غريب أو سفارة نافذة، بل قد تتمثل في سلاح يتقدم على الدستور، أو حزب يفاوض ضمناً باسم البلاد، أو مناخ من الخوف يمنع اللبنانيين من تسمية حقهم المشروق في دولة واحدة وموحدة. وبهذا المعنى، يفتح الرئيس عون مواجهة سياسية هادئة وعميقة ضد الفكرة القائلة بأن لبنان لا يستطيع العيش إلا كمساحة نفوذ متنازع عليها بين القوى الخارجية مهما تبدلت شعاراتها ومصالحها.
ميدان مشتعل.. ودخول تركي على خط الصراع
ميدانياً، وإلى أن تتبلور نتائج المساعي الدبلوماسية، يبقى التصعيد الإسرائيلي هو سيّد الموقف؛ حيث يستمر القصف المعادي في استهداف القرى والبلدات والمدن اللبنانية دون هوادة. وفي أحدث الاعتداءات، استهدفت مسيرة إسرائيلية سيارة في مدينة صيدا – بوابة الجنوب وعاصمته – مما أسفر عن سقوط شهيدين كانا على متنها. وفي المقابل، أظهرت بيانات وزارة الصحة الإسرائيلية ارتفاع عدد الإصابات في صفوف الإسرائيليين جراء العمليات العسكرية المستمرة إلى 808 إصابات.
وعلى خط المواقف الإقليمية المؤثرة في مجرى الصراع الدائر، دخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الخط بشن هجوم عنيف وشديد النبرة ضد إسرائيل، معلناً في موقف استراتيجي بارز أن “أمن تركيا يبدأ من دمشق وحلب وبيروت”، ما يضفي أبعاداً إقليمية إضافية على المشهد المعقد بانتظار جولة الحسم التفاوضية في واشنطن.

