مع دخول الحرب شهرها الرابع، تبدو الساحة اللبنانية أمام مفترق بالغ الحساسية. فالتصعيد العسكري الإسرائيلي يتوسع جنوباً، فيما تتقدم التحضيرات لجولة تفاوضية جديدة في واشنطن وسط محاولات أميركية لتسويق أفكار انتقالية قد تشكل مدخلاً إلى تفاهمات أوسع. وبين الميدان والدبلوماسية، يبرز عاملان إضافيان يزيدان المشهد تعقيداً: قرار الأمم المتحدة إرسال فريق تحقيق لرصد الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب، وتصاعد المؤشرات إلى احتمال انخراط أميركي مباشر في مواجهة عسكرية مع إيران.
عون يحسم خياره: التفاوض لا الحرب
في موقف يعكس تمسك الرئاسة اللبنانية بالمسار السياسي، أكد رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أنه اتخذ قرار المفاوضات وسيواصله “حتى النهاية”، انطلاقاً من قناعة بأن الحروب لا تنتج سوى الخسائر لجميع الأطراف.
ولم يقتصر كلام عون على البعد التفاوضي، بل حمل رسائل داخلية واضحة تتصل بمفهوم الدولة والسيادة ورفض العودة إلى أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية، مع تشديده على أن وحدة اللبنانيين تبقى السلاح الأقوى في مواجهة التحديات الراهنة.
وتكتسب هذه المواقف أهمية إضافية عشية استئناف المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في 22 من الشهر الجاري، حيث تراهن السلطة اللبنانية على تحقيق تقدم يساهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الاستقرار إلى الجنوب.
التجريبية” الأميركية: اختبار للنوايا أم مدخل للتسوية؟
بالتوازي مع التحضير للجولة التفاوضية، يتحرك السفير الأميركي ميشال عيسى باتجاه القوى السياسية المؤثرة، ولا سيما رئيس مجلس النواب نبيه بري، في محاولة لتسويق طرح “المناطق التجريبية”.
ويبدو أن واشنطن تسعى إلى اختبار إمكانية تطبيق ترتيبات أمنية محدودة جغرافياً قبل الانتقال إلى حلول أشمل. إلا أن نجاح هذا الطرح يبقى مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة، خصوصاً في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع دائرة عدم الثقة بين الجانبين.
وفي هذا السياق، حمل موقف بري، كما نقله السفير المصري علاء موسى، مؤشرات إلى وجود تقارب نسبي في الرؤية بين الرؤساء الثلاثة حول أولوية إنهاء الحرب وفتح المجال أمام المعالجات السياسية.
الجنوب تحت النار… وتوسيع الضغط على صور
ميدانياً، تستمر إسرائيل في اعتماد سياسة الضغط المتدرج على مختلف قطاعات الجنوب، مع تركيز ملحوظ على محيط مدينة صور والقرى الواقعة في عمق القطاع الأوسط، فقد أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي أقدمت صباح الأربعاء على نسف عدد من المنازل في بلدة الغندورية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً إلى سعي إسرائيلي لتثبيت موطئ قدم متقدم في منطقة ذات أهمية جغرافية وعسكرية بالغة الحساسية.
فالإنذارات المتكررة، والغارات الجوية، وعمليات التجريف والنسف، إضافة إلى التوغلات المحدودة، تعكس سعياً إسرائيلياً لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي تفاوض نهائي. ويأتي نسف المنازل في الغندورية، واستهداف صيدا، وتوقيف مواطنين في كفرشوبا، ضمن سياق أوسع يهدف إلى توسيع هامش الضغط العسكري والنفسي على البيئة الجنوبية.
في المقابل، يواصل “حزب الله” تنفيذ عمليات استهداف ضد القوات الإسرائيلية، مؤكداً تمسكه بمعادلة المواجهة رغم الكلفة البشرية والمادية المتزايدة للحرب.
لجنة أممية للتحقيق… والحرب تحت المجهر الدولي
في تطور لافت، أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إرسال فريق مستقل إلى لبنان لجمع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان منذ اندلاع الحرب.
وتحمل هذه الخطوة أبعاداً سياسية وقانونية مهمة، إذ إنها تضع جميع الأطراف المنخرطة في النزاع تحت المجهر الدولي، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوثيق والمساءلة، بغض النظر عن هوية الجهة المسؤولة عن الانتهاكات.
لبنان بين واشنطن وطهران
إقليمياً، تتزامن التطورات اللبنانية مع ارتفاع منسوب التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تقارير متزايدة عن اقتراب إدارة الرئيس دونالد ترامب من اتخاذ قرار أكثر تشدداً تجاه طهران.
وهنا تكمن المعضلة اللبنانية الأساسية: فكلما ازداد الاشتباك الأميركي – الإيراني، تراجعت فرص الفصل بين الساحة اللبنانية والصراع الإقليمي الأوسع. ولذلك تبدو جولة واشنطن المقبلة أكثر من مجرد مفاوضات حدودية أو أمنية، بل اختباراً حقيقياً لقدرة لبنان على حماية مساره السياسي من تداعيات المواجهة المفتوحة في المنطقة.
وفي انتظار ما ستفضي إليه الأيام المقبلة، يبقى المشهد اللبناني معلقاً بين ثلاثة مسارات متوازية: تصعيد عسكري لم يبلغ ذروته بعد، ومفاوضات تبحث عن نافذة اختراق، واستحقاق إقليمي قد يعيد رسم توازنات المنطقة بأسرها.

