بعد مرور 100 يوم على مقتل المرشد السابق، علي خامنئي، في هجوم استهدف مكتبه في طهران، لم تقم إيران بعد بدفن الرجل الذي قاد البلاد لأكثر من 3 عقود.
وقد أصبح هذا التأخير أحد أكثر الجوانب غرابة وحساسية سياسية في مرحلة الانتقال الإيرانية ما بعد الحرب. فبينما تم بالفعل دفن كبار القادة العسكريين والمسؤولين الذين قُتلوا في الصراع نفسه، فإن الوعود المتكررة بتنظيم جنازة ضخمة لخامنئي لم تتحقق بعد.
وتحدث مسؤولو بلدية طهران عن خطط لتنظيم موكب جنائزي يمتد لعدة أيام في وقت لاحق من هذا الشهر. وأشاروا إلى أنه من المتوقع أن تشمل المراسم عدة مدن قبل الدفن النهائي لخامنئي في مدينة “مشهد” الدينية.
ردود فعل الإيرانيين بين الفرح والذهول
يتعارض هذا التأخير الطويل بشكل لافت مع التقاليد الدينية الشيعية، التي تفضل عموماً الدفن السريع للميت. إذ يحث الفقه الكلاسيكي على التعجيل بالدفن إلا في حالات استثنائية، مثل الشك في الوفاة أو المخاوف المتعلقة بحفظ الحياة. وبالمثل، جادل العديد من رجال الدين المعاصرين بأنه ينبغي تجنب التأخير غير المبرر إذا كان ينطوي على مخاطرة بالإساءة إلى المتوفى.
وقد غذّى غياب الجنازة التكهنات بشأن حالة أشلاء خامنئي بعد الضربة التي أودت بحياته. وكانت تقارير وسائل الإعلام الإيرانية عن مسؤولين آخرين لقوا حتفهم في الهجوم نفسه، قد وصفت كيف تم انتشال الجثث بعد أسابيع ولم يتم التعرف عليها إلا من خلال فحص الحمض النووي (DNA) بسبب تعرضها لأضرار جسيمة.
وحتى الآن، لم ينشر المسؤولون أي معلومات حول حالة أشلاء خامنئي أو مكان وجودها.
مخاوف أمنية وخليفة مفقود
تداخلت الأسئلة التي لا إجابة لها المحيطة بدفن المرشد الراحل مع لغز آخر: الغياب المستمر لخليفة خامنئي.
فإن مجتبى خامنئي، الذي تولى القيادة خلفاً لوالده، لم يظهر علناً منذ الهجوم. ورغم إصرار المسؤولين على أنه نجا ولم يصب إلا بجروح طفيفة، فإن التقارير والشائعات حول إصابته بجروح أكثر خطورة لا تزال قائمة.
وإذا كان مجتبى خامنئي حياً ونشطاً، فإنه سيمثل أحد أبرز الأهداف لإسرائيل. ومِن ثمّ، فإن أي ظهور علني كبير قد ينطوي على مخاطر أمنية جسيمة.
وهذا الواقع يربك ما يُفترض أن يكون لحظة حاسمة ومحددة للقائد الجديد. فجنازة المرشد الإيراني ليست مجرد مراسم دينية، بل هي أيضاً استعراض للاستمرارية السياسية. وسيكون من الصعب تفسير غياب الخليفة عن حدث كهذا، في حين أن ظهوره قد يعرضه لمخاطر قد لا تكون السلطات مستعدة لقَبولها.
سياسات الجنازة
هناك أيضًا بُعد سياسي للتأخير؛ فللنظام الإيراني تاريخ طويل في استخدام مثل هذه المراسم لإرسال رسائل سياسية. وخير مثال على ذلك كان جنازة القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني.
فقد جاب الموكب الجنائزي، الذي استمر لعدة أيام، مدن الكاظمية وبغداد والنجف وكربلاء والأهواز ومشهد وطهران وقم، قبل أن يُدفن سليماني في نهاية المطاف في “كرمان”.
لماذا تستمر خطط جنازة خامنئي في التغير؟
ذكرت وسائل الإعلام الرسمية والمسؤولون الإيرانيون أن الملايين شاركوا في مراسم تشييع سليماني، واستخدموا مراراً صور الأحداث في الرسائل الرسمية. ومع ذلك، فإن التغطية الإعلامية المكثفة المحيطة بالجنازة تملصت إلى حد كبير من التذكير بمقتل 56 مشيعاً، لقوا حتفهم في حادث تدافع أثناء مراسم الدفن في “كرمان”.
وقد أظهر المسؤولون أنهم يأملون في تحقيق نسبة إقبال مماثلة لخامنئي. لكن تنظيم جنازة بهذا الحجم في أعقاب الحرب يفرض تحديات لوجستية وأمنية واضحة.
في الوقت الحالي، تظل النتيجة حالة ترقب غير عادية؛ فبعد مرور 100 يوم على وفاة خامنئي، اختارت إيران رسمياً خلفاً له لكنها لم تقدمه للعلن بعد، ووعدت بوداع تاريخي لزعيمها الراحل لكنها لم تقمه بعد، وتستمر في مواجهة أسئلة لم تنجح البيانات الرسمية ولا المراسم العامة في الإجابة عنها.

