عندما بدأ الاحتلال الاسرائيلي، الذي جلبته حرب الاسناد ثأراً لمقتل خامنئي، بالتوسع جنوباً وبإعادة احتلال الخيام وبنت جبيل، طلع علينا منظرو الحزب: بأن الجغرافيا غير مهمة!! هي كانت مهمة فقط عند استخدامها في مزارع شبعا للابتزاز وإدامة السلاح. وعندما احتلت اسرائيل قلعة الشقيف، اصبحت فجأة معلم تاريخي مسؤوليته تقع على وزارة الثقافة، ولم تعد قلعة الصمود والتحدي.
لكن قلعة الشقيف ليست مجرد موقع عسكري، بل رمز ونقطة ارتكاز: إن من يسيطر عليها وعلى المرتفعات يسيطر على الجنوب، ومن يسيطر على الجنوب، اذا لم تكن الدولة بجيشها، يفتح الباب للتدخل الخارجي. أي أن الجغرافيا هنا تعطي أفضلية عسكرية لمن يملك القرار، وليس للدولة بالضرورة.
الجغرافيا مهمة بالتأكيد، عندما نحسن استخدامها. لبنان لا يعاني من جغرافيته بقدر ما يعاني من سوء إدارة هذه الجغرافيا.
لقد سمحنا بأن يُنتزع قرارنا. وأن يصبح لبنان جزءاً من صراعات لا قدرة له على تحمّلها. وأن يُستخدم أرضاً وشعباً كورقة في نزاعات إقليمية. والنتيجة نراها جميعاً: احتلال وخوف دائم، انهيار اقتصادي، عزلة، وتهديد مستمر لكل بيت لبناني. اليوم، لم يعد لدينا ترف الانتظار.
لبنان يحتاج إلى قرار واضح: أن يخرج من الصراعات… لا أن يُدار داخلها.
منذ نشأته، لم يكن لبنان بلداً ذا عمق استراتيجي أو قدرة على خوض صراعات كبرى. موقعه بين قوى متنازعة، وساحله المفتوح وجبله العازل، دفعاه تاريخياً نحو دور مختلف: الانفتاح، التجارة، والوساطة.
فلبنان ليس فقط بلداً صغيراً؛ انه يقع ايضا بين: جارين قويين، اسرائيل الدولة المحتلة والمدعومة من اميركا والتي تملك احد أكبر وأقوى جيوش العالم وقنبلة ذرية سرية، وسوريا التي هيمنت على لبنان خلال حكم الأسدين الدكتاتورين، والتي كانت تعتبر لبنان امتداداً جيوسياسياً لها، وليس كياناً مستقلاً بالكامل.
جعل هذا الموقع من لبنان: ساحة عبور للصراعات ومنطقة نفوذ متنازع عليها، بحيث لم ينجح بأن يكون “دولة محصّنة جغرافياً”. أي أن الجغرافيا هنا لا تشكل حماية بل تفتح على مخاطر.
هذا ما فهمه مبكراً من قرأ جغرافية لبنان بواقعية، لا كأداة صراع بل كمساحة تفاعل.
لكن الخلل بدأ عندما تم إخراج لبنان من وظيفته الطبيعية، وتحويله إلى ساحة صراع إقليمي. هنا لم تعد الجغرافيا فرصة، بل تحوّلت إلى عبء. فالدول الصغيرة لا تتحمل أن تكون خطوط تماس، ولا أن تُستخدم كمنصات لحروب الآخرين.
تفاقمت المشكلة عندما دخل في لعبة ليست من طبيعته الجغرافية: العسكرة والصراع الإقليمي. وعندما تتجاوز السياسة الجغرافيا، يحدث الخلل الكبير.
شكّل دخول إيران إلى الساحة اللبنانية، عبر ذراع محلي هو حزب الله، حدثاً خطيراً على الصعيد الجيوسياسي: تحول لبنان من بلد على خطوط تماس، الى قاعدة متقدمة لصراع اقليمي جرى تحميله تبعاته بمفرده، رغم افتقاره لمقومات الصمود.
لا تشكل الجغرافيا بحد ذاتها المشكلة، لكنها تصبح كذلك عندما: تُستخدم ضد طبيعتها. فلبنان ليس دولة مغلقة، ولكنه ليس دولة عسكرية ايضاً، ولا يملك عمقاً استراتيجياً. ويصبح بالتالي مكشوفاً بالكامل عندما يفقد حياده الطبيعي. الدول الصغيرة تنجو عادة عبر الحياد أو التوازن. لكن عندما ينحاز طرف داخلي لمحور خارجي: تتحول الجغرافيا إلى نقطة ضعف قاتلة و يتحول الموقع من فرصة إلى عبء.
ان موقع لبنان البحري كان يمكن أن يعني: تجارة وخدمات ودور مالي.
لكنه اليوم صار يعني: حصاراً وتهديداً واستهداف .
في الماضي، كانت الكيانات الصغيرة تُبتلع بسهولة ضمن منطق الإمبراطوريات. أما اليوم، فقد تغيّر العالم: نشأت مفاهيم السيادة، وحقوق الإنسان، وظهرت منظومة دولية تعترف رسمياً بحق الدول في الاستقلال. لكن هذه الحماية تبقى شكلية ما لم تُدعَم بواقع سياسي داخلي متماسك، وبقدرة على ربط استقرار الدولة بمصالح الآخرين.
لبنان اليوم يملك الشرعية الدولية، لكنه يفتقد عناصر القوة التي تحمي هذه الشرعية. فهو من جهة، منخرط في صراعات لا تخصه، ومن جهة أخرى، عاجز عن فرض سيادة موحّدة على أرضه.
الحل لا يكون بالشعارات، بل بإعادة تعريف وظيفة لبنان:
أن يتحول من ساحة نزاع إلى مصلحة مشتركة؛ وأن يصبح استقراره حاجة إقليمية ودولية، لا عبئاً.
وأن يستعيد قراره السيادي الكامل، بحيث لا يُستخدم من أي محور.
الحياد ليس إعلاناً سياسياً، بل منظومة تبنى:
إجماع داخلي، قدرة دفاعية وطنية، وضمانات دولية متقاطعة.
صحيح ان لبنان لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي، لكنه يستطيع أن يغيّر موقعه السياسي. وهنا فقط، لا تعود الجغرافيا قدراً، بل تفتح على خيارات.

