في هذا العالم، لم تعد الحرب صرخة غضبٍ بين شعبين، ولا معركةً بين جيشين، بل تحوّلت إلى سوقٍ هائلة تُباع فيها الأوطان بالجملة، ويُقاس فيها الدم بسعر برميل النفط، وسعر السهم في البورصة، وعقود السلاح العابرة للقارات.
هناك، في مكانٍ بعيد عن الركام، يجلس رجالٌ ببدلاتٍ أنيقة أمام شاشاتٍ مضيئة، يراقبون الخرائط لا لوقف النار بل لحساب الأرباح. كلما احترقت مدينة، ارتفعت أسهم. كلما غرق طفلٌ تحت الأنقاض، فُتحت مصانع ذخيرة إضافية. كلما نزح شعبٌ كامل، امتلأت خزائن وشركات وتأمينات وأسواق. أما الإنسان البسيط، فلا يرى شيئاً من هذا كله.
هو يرى فقط: أماً تنتشل بيديها بقايا ابنها، رجلاً يحمل مفتاح بيته كأنه يحمل عمره كله، وشعباً يمشي في الطرقات كقافلة من التعب والخوف والانتظار. في نشرات الأخبار يسمّونها: توازنات، ردعاً ، أمناً قومياً ، صراع نفوذ ومعادلات أقليمية ..
أما تحت الركام، فاسمها الحقيقي: فقط موت. لقد أصبحت الحروب الحديثة أكثر ذكاءً من أن تُعلن حقيقتها. لم تعد تقول للناس: نحن نحارب من أجل الأسواق والطاقة والسلاح. بل ترتدي أقنعة كثيرة: الدين ، الحرية ، الكرامة ، الأمن ، الديموقراطية أو حتى الدفاع عن الإنسان …
لكن الإنسان نفسه يبقى أول الضحايا وآخر من يُسأل عن رأيه. والمأساة الكبرى ليست فقط في الذين يصنعون الحروب،بل أيضاً في عالمٍ اعتاد عليها،حتى صار الطفل تحت الركام خبراً عابراً،وصارت المدن المحترقة مجرد خلفية لنشرات المساء. هذا الزمن لا يقتل البشر فقط، بل يقتل القلب الذي كان يبكي لهم.
وربما لهذا السبب، بات السلام في عالمنا المعاصر أخطر على تجّار الحروب من الحرب نفسها، لأن السلام يطفئ الأسواق التي تعيش على الدم، ويُسقط الأقنعة عن الوجوه التي اعتادت أن تبني مجدها فوق أنقاض الشعوب.

