أوكرانيا بين نار موسكو وحسابات مينسك: الجبهة الصامتة التي قد تشعل الحرب من جديد

رئيس روسيا البيضاء ألكسندر لوكاشينكو

منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022، لم يكن واضحًا أن موسكو تتعامل مع العملية بوصفها حربًا تقليدية محدودة الأهداف. ما ظهر لاحقًا، من خلال مسار العمليات العسكرية والتصريحات الرسمية الروسية، أشار إلى أن الكرملين كان يراهن على إعادة رسم ميزان النفوذ في أوروبا الشرقية أكثر مما كان يسعى إلى حسم سريع على الأرض.

لكن هذا الرهان اصطدم سريعًا بتعقيدات ميدانية لم تكن في حسابات موسكو الأولية. فبدلًا من انهيار سريع للجبهة الأوكرانية، تحولت الحرب إلى استنزاف طويل كشف حدود القوة العسكرية الروسية، وفرض على القيادة في موسكو إعادة توزيع أدوار حلفائها في الإقليم.

بيلاروسيا… العمق الاستراتيجي غير المعلن

في هذا السياق، برزت بيلاروسيا كعنصر غير مباشر في بنية العمليات الروسية. فبينما ينفي الرئيس ألكسندر لوكاشينكو الانخراط المباشر في الحرب، تشير مجمل التحركات العسكرية على الأراضي البيلاروسية، من تدريبات مشتركة إلى تسهيلات لوجستية للقوات الروسية، إلى أن مينسك باتت جزءًا من هامش العمليات لا يمكن تجاهله.

مصادر غربية عدة ترى أن العلاقة بين موسكو ومينسك تجاوزت حدود التحالف السياسي التقليدي، لتصل إلى مستوى الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، حيث تستفيد بيلاروسيا من الدعم السياسي والاقتصادي الروسي، مقابل تقديمها عمقًا استراتيجيًا يخفف الضغط عن الجبهة الشمالية لأوكرانيا.

لوكاشينكو بين البقاء السياسي والارتهان لموسكو

لوكاشينكو، الذي واجه اختبارًا سياسيًا حادًا بعد احتجاجات عام 2020، دخل في مرحلة إعادة تموضع داخلي وخارجي. داخليًا، تعززت قبضته الأمنية على خلفية تلك الاحتجاجات. وخارجيًا، ازداد ارتهانه لموسكو في ظل العقوبات الغربية والعزلة السياسية التي لحقت بنظامه. هذا التداخل بين البقاء السياسي والدعم الروسي جعل خيارات مينسك أكثر ضيقًا وأقرب إلى الاصطفاف التلقائي مع الكرملين في الملفات الحساسة.

كييف والهاجس القادم من الشمال

في المقابل، تنظر كييف إلى الأراضي البيلاروسية باعتبارها مصدر تهديد محتمل لا يقل خطورة عن الجبهات الشرقية والجنوبية. فالحدود الشمالية لأوكرانيا لا تمثل فقط خط تماس جغرافي، بل أيضًا مسارًا استراتيجيًا يمكن أن يُستخدم لإعادة فتح جبهات ضغط جديدة أو تهديد خطوط الإمداد القادمة من أوروبا.

ورغم ذلك، تحرص القيادة الأوكرانية على التمييز في خطابها السياسي بين النظام في مينسك والمجتمع البيلاروسي، في محاولة لتفادي توسيع دائرة العداء الإقليمي، وترك هامش سياسي لأي تحولات مستقبلية داخل بيلاروسيا نفسها.

أوروبا تراقب… والعقوبات لا تغيّر المعادلة

في أوروبا، يتعامل صانعو القرار مع التطورات على الجبهة البيلاروسية بوصفها امتدادًا غير مباشر للحرب، وليس ساحة منفصلة عنها. فالتقارير الأمنية والعسكرية الغربية تحذر من أن أي تصعيد إضافي انطلاقًا من بيلاروسيا قد يعيد خلط أوراق المواجهة ويزيد من احتمالات توسعها جغرافيًا.

لكن، في المقابل، لا تبدو أدوات الضغط الغربية، وعلى رأسها العقوبات الاقتصادية، قادرة حتى الآن على تغيير بنية القرار داخل الكرملين أو إعادة ضبط حساباته الاستراتيجية. بل إن الحرب، مع مرور الوقت، تحولت إلى عنصر ثابت في المعادلة السياسية الروسية، لا مجرد أداة مؤقتة.

معادلة مفتوحة على احتمالات التصعيد

في هذا المشهد المعقد، تجد أوكرانيا نفسها أمام معادلة استنزاف طويلة: صمود عسكري على الأرض، ودعم سياسي وعسكري غربي متقلب الإيقاع، مقابل خصم يمتلك عمقًا استراتيجيًا واسعًا وشبكة تحالفات إقليمية مرنة.

أما بيلاروسيا، فتبدو في موقع حساس بين موقع الجار والدولة التابعة وظيفيًا. فهي لا تخوض الحرب مباشرة، لكنها أيضًا لم تعد خارج حساباتها. وهذا التداخل بين الجغرافيا والسياسة يجعل من الحدود الشمالية لأوكرانيا إحدى أكثر النقاط قابلية للاشتعال في أي لحظة.

وفي ظل غياب أفق سياسي واضح لانتهاء الحرب، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن لبيلاروسيا أن تستمر في لعب دور العمق الصامت لروسيا دون أن تتحول إلى طرف مباشر في مواجهة إقليمية أوسع؟

السابق
إصابة عسكريَّين من الجيش اللبناني بجروح بليغة إثر استهدافهما بغارة من مسيّرة على طريق عبا
التالي
الخارجية الأميركية تعلن انتهاء مهام توم باراك كمبعوث خاص إلى سوريا