تكشف صحف النظام الإيراني الصادرة صباح 18 مايو/أيار 2026 أن الأزمة الاجتماعية والمعيشية في إيران دخلت مرحلة أكثر تعقيداً بعد الحرب الأخيرة، حيث لم تعد المشكلات محصورة في التضخم أو تراجع العملة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن: الدواء، والخبز، والاتصالات، والخدمات الأساسية، وحتى القدرة على الاستمرار في حياة مستقرة. وما يلفت الانتباه أن الصحف المقربة من دوائر الحكم نفسها باتت تستخدم لغة تنذر بتزايد الاحتقان الاجتماعي، وتعترف بصورة غير مباشرة بأن المجتمع يواجه ضغوطاً غير مسبوقة.
في ملف الغذاء والمعيشة، سلطت بعض الصحف الضوء على استمرار الارتفاع التدريجي في أسعار السلع الأساسية، مع اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة. فارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، وخاصة الخبز والمواد البروتينية، جعل كثيراً من الأسر تعتمد بصورة أكبر على الدعم الحكومي المحدود أو تقلل من استهلاكها. وتشير التغطيات الاقتصادية والاجتماعية إلى أن الطبقة الوسطى نفسها باتت تواجه تراجعاً واضحاً في مستوى المعيشة، فيما تتوسع دائرة الفئات الهشة التي تعيش تحت ضغط يومي لتأمين الاحتياجات الأساسية.
وفي القطاع الصحي، تواصل أزمة الدواء فرض نفسها بقوة. فقد عكست الصحف مخاوف متزايدة من نقص بعض الأدوية وارتفاع أسعارها، خصوصاً أدوية الأمراض المزمنة والعلاجات المتخصصة. كما تزايدت الشكاوى من صعوبة الوصول إلى بعض الخدمات الطبية نتيجة الضغط على المؤسسات الصحية، وارتفاع الكلفة، وضعف التغطية التأمينية. وهذا الواقع جعل الملف الصحي يتحول تدريجياً إلى مصدر توتر اجتماعي، لا سيما بين كبار السن والمرضى المزمنين والأسر محدودة الدخل.
أما على مستوى الاتصالات، فلا تزال أزمة الإنترنت تلقي بظلالها على الحياة اليومية. فبعد أشهر من القيود والانقطاعات المتكررة، باتت فئات واسعة من الإيرانيين تعتمد على وسائل بديلة أو أكثر كلفة للوصول إلى الشبكة، بما في ذلك شراء خطوط اتصال أجنبية أو البحث عن أدوات التفاف على القيود. وتكشف بعض المواد الصحفية عن توسع ما يشبه “السوق الرمادية” للاتصالات، في مؤشر على اتساع الفجوة بين السياسات الرسمية واحتياجات المجتمع، وخصوصاً لدى الشباب وأصحاب الأعمال الصغيرة الذين يعتمدون على الإنترنت كمصدر دخل أساسي.
كما تعكس الصحف تزايد حالة القلق الاجتماعي المرتبطة بتراجع فرص العمل واستمرار الضغوط الاقتصادية. فالكثير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا تزال تواجه صعوبة في التعافي من تداعيات الحرب والركود، فيما باتت البطالة المقنّعة وعدم الاستقرار الوظيفي جزءاً من الواقع اليومي لشريحة واسعة من الإيرانيين. وهذا الوضع أدى إلى تزايد مشاعر الإحباط، وارتفاع الهجرة الداخلية من المدن الكبرى إلى مناطق أقل كلفة، فضلاً عن تصاعد الرغبة في الهجرة الخارجية لدى فئات من الشباب والمتخصصين.
“مجتمع تحت الضغط… وخطاب رسمي يفقد تأثيره”
اللافت أن الخطاب الرسمي لم يعد قادراً على احتواء هذا التوتر المتراكم كما في السابق. فبينما تتحدث السلطة عن “الصمود” و”العبور من الأزمة”، تبدو الصحف نفسها أكثر واقعية في توصيف حجم الضغوط اليومية. فالمواطن الإيراني لا يواجه أزمة واحدة، بل مجموعة أزمات متداخلة: غلاء، وانخفاض قدرة شرائية، وصعوبات صحية، وخدمات متراجعة، وقيود رقمية، وغموض بشأن المستقبل.
كما أن تراكم هذه الضغوط يجعل الاحتقان الاجتماعي أكثر عمقاً، خصوصاً أن التجارب السابقة أثبتت أن الأزمات المعيشية في إيران تتحول سريعاً إلى غضب سياسي. ولذلك، تبدو السلطة منشغلة ليس فقط بإدارة الاقتصاد، بل أيضاً بمنع انتقال التذمر الاجتماعي إلى الشارع، عبر الرقابة، والسيطرة الأمنية، ومحاولات احتواء محدودة لا تعالج جذور المشكلة.
الخلاصة أن صحف صباح 18 مايو/أيار ترسم صورة مجتمع يعيش تحت ضغط متواصل، حيث أصبحت الأزمات اليومية جزءاً من الحياة العادية للإيرانيين. وبينما تحاول السلطة إدارة هذه المرحلة بأدوات مؤقتة، تبدو الهوة بين الواقع المعيشي والخطاب الرسمي آخذة في الاتساع، بما يجعل الأزمة الاجتماعية واحدة من أكثر التحديات حساسية أمام النظام في مرحلة ما بعد الحرب.

