الفقراء لا ينتصرون…

الشيخ عباس حايك

في هذه البلاد لا ينتصر الفقراء…

حتى حين ترتفع الأعلام، وتمتلئ الشاشات بالخطب، وتُعلَّق على الهزيمة أسماء أخرى… الفقراء وحدهم يعرفون الحقيقة كاملة.

هم الذين يدفعون ثمن كل شيء.. الحرب حين تبدأ، والحرب حين تنتهي، وحتى النصر حين يُعلن.

في كل مرة كان يُطلب منهم الصبر، صبروا…. ويُطلب منهم التحمّل، فتحمّلوا… ويُقال لهم إن الكرامة تحتاج تضحيات، فيدفعون من أعمارهم وأرزاقهم وقلق أطفالهم ما يكفي لإطعام وطن كامل من الشعارات…

لكن أحدًا لم يسألهم يومًا: إلى متى؟

كم مرة يستطيع الإنسان أن يبدأ من الصفر؟

كم بيتًا يجب أن يُرمم؟

كم دينًا يجب أن يُستدان؟

كم موسمًا للهجرة والعمل والغربة ينبغي أن يضيع كي تبقى الخطب مرتفعة؟

الفقراء لا يكرهون أوطانهم، بل يحبونها أكثر من الجميع، لأنهم لا يملكون وطنًا بديلًا…

لكنهم تعبوا من أن يتحولوا إلى وقود دائم لكل معركة، وإلى جمهور دائم لكل خطبة، وإلى صورة تُرفع عند الحاجة ثم تُنسى تحت ركام الحياة اليومية.

المؤلم أن الجائع حين يصرخ يُتّهم.

والمتعب حين يشكو يُخوَّن.

وكأن المطلوب من الفقير ألا يجوع فقط… بل ألا يتكلم أيضًا.

سنوات طويلة قيل للناس إن الفقر امتحان، وإن الصبر عبادة، وإن التضحية شرف.

لكن أحدًا لم يشرح لماذا يبقى الفقراء وحدهم في قاعة الامتحان، بينما يعيش الآخرون خارج الأسئلة كلها.

لقد صار الفقير في بلادنا مشروع شهيد دائم، لكن لا أحد يسمح له أن يكون مشروع إنسان يعيش بكرامة…

تُفتح له أبواب الحماسة،

وتُغلق في وجهه أبواب الحياة.

وحين ينهكه التعب، لا يجد أمامه سوى المزيد من البلاغة: خطب عن الصمود، ومواعظ عن الاحتمال، وكلمات كبيرة لا تستطيع شراء ربطة خبز، ولا دواء، ولا إصلاح سقف سقط فوق رؤوس أصحابه.

في هذه البلاد، يبدو الفقر كأنه قدر مقدس لا يجوز الاعتراض عليه.

مع أن كل الكتب والوصايا قالت إن الفقر مذلة، وإن الجائع قد يخرج شاهراً سيفه، وإن الإنسان حين تُسحق كرامته يصبح مهددًا في عقله وروحه وإيمانه.

لكن الفقراء هنا لم يشهروا سيوفهم.

بل أشهروا صبرهم الطويل…

وذلك كان أكثر ما استُغل فيهم.

لهذا، لا ينتصر الفقراء.

لأنهم بعد كل معركة يعودون إلى بيوتهم المهدمة، وديونهم القديمة، وأحلامهم المؤجلة، فيما يذهب الجميع للاحتفال بشيء لا يشبه حياتهم…

السابق
على أنقاض «وحدة الساحات»: تصريحات قيادي في «الحزب» تفجر غضباً عارماً في الشارع الشيعي اللبناني!
التالي
تندلع كلما اقترب الحساب: حين تتحوّل الحرب إلى نظام حكم في لبنان