جورج سعد يعكس صورة لبنان في عين أندريه بوروسكي

صدر حديثًا عن منشورات الحلبي الحقوقيّة كتاب ” الأزمات الدينية، حروب بخلفيات دينية – حالة لبنان في ضوء أفكار أندريه بوروسكي” للباحث اللبناني جورج سعد


جاء في قراءة الكتاب:

لا يُشكل هذا الكتاب الصادر حديثاً مجرد تأريخ تقليدي للأزمة اللبنانية، بل هو «بيان» إبستمولوجي (معرفي) راديكالي يسعى لفك الارتباط التاريخي بين الهوية الدينية والوجود السياسي في لبنان. ينطلق العمل من فرضية صادمة في سياق الشرق العربي: إن الحروب والأزمات التي عصفت بلبنان منذ نشأته، وصولاً إلى التوقعات القاتمة لعام 2026، ليست سوى أعراض لمرض بنيوي أعمق يُسمى “الإيمان القائم على الوحي”.
يمزج الكتاب بين مستويين من القراءة: مستوى سردي مأساوي يوثق محطات الانهيار، ومستوى فلسفي بارد يُطبق مِبضع الجراح «البوروفسكي borowskien» (نسبة إلى أندريه بوروفسكي) على جسد المجتمع اللبناني، محاولاً إثبات أن الخلاص لا يكمن في “التعايش” بين الطوائف، بل في “التحرر” من فكرة الطائفة ذاتها عبر إبستمولوجيا علمية صارمة.

الوحي كعلة بنيوية

تبدأ الجدلية الكبرى في كتاب بوروسكي، هذا الكتاب الذي استندت اليه كأرضية تفكير واستلهام إيديولوجي، بنقد مفهوم “الوحي”، الذي يعتبره بوروسكي بؤرة التوتر الأساسية. فبينما تحاول الأديان تقديم نفسها كرسائل سلام، يجادل كتابي (أو بالأحرى كتابنا مع بوروسكي، كونه كُتب في ضوء أفكاره) بأن طبيعة المعرفة الدينية في حد ذاتها “انفجارية”؛ لأنها تقوم على حقيقة مطلقة، غير قابلة للدحض، ثابته، ومنسوبة إلى مصدر ميتافيزيقي لا يملك الإنسان عليه سلطة نقد أو اختبار.
من هنا، أفسر الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 والمجازر التي تلتها في اهدن والدامور وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا ، ليس كصراعات بسيطة على السلطة، بل كصدام بين “أساطير” متنافسة، حيث يصبح الآخر “كافراً” أو “عدواً وجودياً” لمجرد اختلاف وحيه.

مختبر العقل: معايير FARSIPP في مواجهة المقدّس

لا يكتفي الكتاب بالتحليل التاريخي، بل يقحم القارئ في “مختبر العقل” من خلال معايير FARSIPP، وهي المصفوفة التي اقترحها أندريه بوروفسكي لقياس صلاحية أي معرفة. هنا يبرز النقاش الحقيقي: هل يمكن إخضاع “الله” أو “النص المقدس” لمعايير القابلية للدحض، والتكرار، والقدرة التنبؤية؟ أجيب بـ “نعم” قاطعة. فالعلم لا يهاجم المؤمنين كأشخاص، بل يهاجم “العلة” الإدراكية التي تدفع الفرد لقبول أطروحات تناقض قوانين الفيزياء والبيولوجيا (مثل المعجزات والغيبة)، مما يخلق عقلية “قدرية” تشل العمل السياسي العقلاني.
على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، أربط بين فشل الدولة اللبنانية وهيمنة المعتقدات الدينية. فالانهيار المالي عام 2019، وانفجار المرفأ عام 2020، والارتهان للأجندات الإقليمية (إيرانية كانت أم أميركية)، تُفسر كلها كعلامات على غياب “العقلانية التنبؤية”. فالمجتمع الذي ينتظر “البركة” أو “الخلاص الميتافيزيقي” لا يمكنه بناء نظام مصرفي شفاف أو إدارة موارده الوطنية خارج منطق الزبائنية الطائفية.
كما أنتقد بشدة مواقف المؤسسات الدينية، بما فيها الفاتيكان، وأرى في “الإرشاد الرسولي” أو الزيارات البابوية محاولات لترميم نظام متهالك قائم على “التسويق الديني” (مصطلح بوروفسكي) الذي يحول الإيمان إلى علامة هوية تحمي مصالح النخبة. وهنا أعرض رؤية بوروسكي حول “العلمانية الهجومية”؛ وهي رؤية تتجاوز الحياد السلبي للدولة تجاه الأديان، لتطالب بدولة “مقاتلة” ضد الأساطير التي تعيق التقدم، تماماً كما تحارب الأوبئة أو الآفات الاجتماعية كالتدخين.

نحو «تيار ثالث» في لبنان: من أجل علمانية هجومية وشاملة

ينتقد الكتاب “النسبية الثقافية” السائدة في بعض الفلسفات الغربية المعاصرة، والتي تميل للمساواة بين العلم والأسطورة. وأعارض هنا، ومعي بوروسكي، مفكرين مثل بول فيرابيند Paul Feyerabend ، وأؤكد أن العلم ليس مجرد وجهة نظر، بل هو منهج كوني يقوم على التصحيح الذاتي. العلم يتقدم عبر التشكيك في نظرياته، بينما الدين يتشبث بنصوص قديمة، وهذا ما يفسر نجاح العلم في غزو الفضاء وهزيمة الأمراض، بينما يعيد الدين إنتاج صراعات الماضي.
يتناول الكتاب أيضاً وضع الأقليات، لا سيما مسيحيي الشرق، مفسراً تمسكهم بالدين كدرع حماية في بيئة لا تزال تدمج بين الدين والسياسة (في الإسلام). وكرد فعل، يقترح مؤلفون لبنانيون (مثل كارين عبد النور) بديلاً يسمى “لتيار الثالث”: وهو نهج علماني عقلاني متجذر في قيم الحداثة وسيادة العقل، يعتبر المواطنة هي الأساس الوحيد لحماية الأفراد، بعيداً عن الأطر الطائفية أو نظم الامتيازات الموروثة.

رفض «التوفيقية» بين العلم والدين

ما يجعل نهجنا سجالياً بحق هو الرفض القاطع لـ “التوفيقية” (Concordisme) بين العلم والدين. يرى الكتاب أن القول بأن العلم يفسر “كيف” والدين يفسر “لماذا” هو تضليل يهدف لحماية الحصانة الدينية. فالدين عندما يتدخل في التشريع، والأحوال الشخصية، والسياسة الخارجية، يفرض “أنماط وجود” تصطدم مباشرة مع حقوق الإنسان والمنطق العلمي.
يختتم الكتاب برؤية استشرافية قاتمة للبنان ما لم تحدث “ثورة إبستمولوجية”. إن الحرب القادمة عام 2026، والشهداء الذين يسقطون، هم ضحايا “أفيون الشعوب” الذي يُحقن في المدارس والمنابر والمؤسسات الرسمية.
رسالتي ورسالة أندريه بوروسكي واضحة: لا سلام مستدام في لبنان دون تفكيك “المفاعل النووي للهوية الدينية”. قد يقول البعض إن هذا حلماً أو هذياناَ، ونحن نقول في النهاية هذا مستقبل البشرية. هذا الكتاب صرخة للعودة إلى العقل، لا كترف فكري، بل كضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من الوطن. إنه يضع القارئ أمام خيارين: إما الاستمرار في العيش داخل أساطير متصادمة بانتظار “أربعاء أسود” جديد، أو العبور نحو “لبنان العلمي” حيث الكلمة العليا للقانون القائم على الدليل، وحيث يتحول “المؤمن” إلى “مواطن” حر من أمراض الموروث.
يمكن للبنان أن يلعب دوراً ريادياً في نشر العلمانية في العالم العربي، ليس عبر إنكار المقدّس، بل عبر تكريس سيادة العقل القائم على المواطنة. فلماذا لا يكون لبنان طليعة الحداثة السياسية في المنطقة؟ إن تحرره من المنطق الطائفي قد يحدث تحولاً عميقاً يتجاوز حدوده، ملهماً دولاً أخرى لإعادة صياغة نماذجها لصالح مواطنة أكثر عالمية.
يبقى هذا الطموح كبيراً، وربما بعيد المنال..أدعو لإعادة النظر في رسالة لبنان التاريخية: لا كـ “وطن رسالة” مرتبط بالنزاعات، بل كفاعل قادر على تقديم رؤية سياسية متجددة. عملي هذا هو ناقوس خطر لإيقاظ الوعي، ومحاولة متواضعة لنشر بذور العقلانية في أرض أرهقتها التوترات الدينية.

السابق
«اليونيسف»: الأطفال في لبنان يدفعون الثمن الأكبر في الحرب
التالي
أصالة في  رواية «المنتقم: قطار الفرح»… من سجون صيدنايا إلى قاعات المحاكم الدولية