سلاح حزب الله.. لم يعد مسألة داخلية لبنانية

حسان القطب

الحرب التي يعيشها لبنان، والتي أطلقها حزب الله على الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، أي منذ العام 2023، من حرب الإسناد بداية، إلى حرب الرد على اغتيال مرشد الجمهورية الإيرانية علي الخامنئي، بدأت تترك آثاراً سلبية على الواقع اللبناني من كافة النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية. حيث عمدت إسرائيل إلى تدمير عشرات القرى والبلدات بشكلٍ منهجي ومقصود، بهدف تهجير السكان والقاطنين وجعل العودة شبه مستحيلة، كما عمدت إلى تدمير البنية التحتية بحيث تصبح الحياة مستحيلة حتى لو سمحت بعودة الأهالي والقاطنين، فقامت بتدمير جسور ومحطات مياه وكهرباء ومستشفيات ومدارس ومؤسسات اقتصادية وأراضٍ زراعية.

رفض داخلي للحرب والانخراط في المحور الإيراني

الحرب التي أطلقها حزب الله لم تكن موضع ترحيب من الداخل اللبناني، رسمياً وشعبياً، لأن الواقع اللبناني الهش وغير المتماسك، والذي يعاني من أزمات طال أمدها منذ العام 2005 وحتى يومنا هذا، مع استمرار الانقسام الداخلي بين المكونات اللبنانية، سياسياً وحتى دينياً ومذهبياً، مع ارتفاع منسوب الخطاب الديني والتحاق حزب الله بمحور إيران الديني، سواء في خطابه السياسي أو حتى في أهدافه المعلنة والبعيدة المدى.

انخراط حزب الله في الحروب الإقليمية

ثم كان انخراط حزب الله في حروبٍ خارجية دون إجماع وطني ودون التنسيق مع الحكومة اللبنانية، تحت عنوان «نكون حيث يجب أن نكون» الذي أطلقه الأمين العام الراحل حسن نصرالله عقب دخوله في الحرب السورية. ثم أكد، في مقابلة تلفزيونية، أن الراحل قاسم سليماني قد طلب منه تأمين 120 كادراً أو قيادياً عسكرياً من حزب الله، أصحاب خبرة قتالية، للالتحاق بالحشد الشعبي في العراق، وهذا ما جرى.

ثم إن حزب الله، وأثناء نعيه لعدد من قياداته العسكرية خلال المواجهة مع جيش الاحتلال، يشير إلى التاريخ الجهادي لبعضهم، كما يقول، وأنهم شاركوا في الحرب اليمنية ضد الدول الخليجية، وخاصة المملكة العربية السعودية. إذاً، فإن الدور المنوط بحزب الله يتجاوز الحدود اللبنانية، ويتخطى ما يُعلن عنه من أن سلاحه هو لحماية لبنان من العدوان الصهيوني.

الاستثمار الداخلي بالقوة العسكرية

في الداخل اللبناني، استثمر حزب الله في قدرته العسكرية، وقام بتعبئة بيئته دينياً وسياسياً، وعمل على تعطيل الاستحقاقات الدستورية وتشكيل الحكومات، ووقف تنفيذ القرار 1701، وحصار السراي الحكومي، وفرض اتفاق الدوحة عقب غزوة أيار/مايو عام 2008، وتعطيل مندرجات ما ورد في نص قرار وقف إطلاق النار الصادر في 27/11/2024، وغيرها كثير من الممارسات والتصرفات التي تستند إلى القوة العسكرية المتنامية، والتي تترك آثاراً سلبية على الداخل كما على علاقات لبنان بالخارج.

وآخرها كان رفض تنفيذ القرار الحكومي برفض أوراق اعتماد السفير الإيراني (شيباني)، وإصرار الثنائي على إبقائه في لبنان، ومن ثم فتح الحرب، سواء إسناداً أو انتقاماً.

لبنان بين الأزمات والحرب المفتوحة

فهل يتحمل لبنان، الذي يعاني من أزمات متشابكة ومتعددة ومعقدة، القدرة على مواجهة تداعيات حربٍ مفتوحة مع كيانٍ لا يحترم كافة القوانين الدولية والإنسانية، ويضع الشروط القاسية على لبنان واللبنانيين، ومنها التفاوض المباشر وتجريد حزب الله من سلاحه قبل وقف إطلاق النار والسماح بإعادة الإعمار وعودة النازحين إلى قراهم؟

سلاح حزب الله: داخلي أم إقليمي؟

وبعد كل هذا، وخلال إطلالته غير المباشرة، قال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم: «إن سلاح المقاومة مسألة لبنانية داخلية وليست جزءاً من التفاوض مع العدو الإسرائيلي».

كيف يكون سلاح حزب الله مسألة داخلية لبنانية، وقد انخرط حزب الله في حروبٍ متعددة وعلى مستوى الشرق الأوسط؟

اتهامات إقليمية متصاعدة

كذلك فإننا نرى المزيد من الاتهامات التي تطال دور حزب الله على المستوى الإقليمي، وهنا نضع أمام القارئ جزءاً منها:

  • وجّه المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، في أول رسالة له عقب توليه المنصب، الشكر لـ«حزب الله» اللبناني، والذي قال إنه «شارك في عون الجمهورية الإسلامية»، وأضاف: «هم أفضل أصدقائنا».
  • قررت دولة الإمارات، في 12/5/2026، إدراج 21 فرداً وكياناً على قائمة الإرهاب المحلية، وذلك لارتباطهم بحزب الله.
  • قالت دولة الكويت إنه تم رصد وتفكيك أكثر من خلية/جماعة خلال أقل من 10 أيام، وأعلنت وزارة الداخلية توقيف خلية تضم 16 شخصاً (14 كويتياً و2 لبنانيين) في منتصف آذار/مارس، وأعقبها بأيام توقيف خلية أخرى تضم 10 أشخاص، وضبط مجموعات أخرى، فيما تم رصد هاربين.
  • أعلنت وزارة الداخلية البحرينية، في 30 آذار/مارس 2026، عن تفكيك «خلية إرهابية» مكونة من ثلاثة أشخاص ينتمون إلى منظمة حزب الله اللبناني، وتخابروا مع عناصر خارجية للتخطيط لأعمال تزعزع أمن واستقرار المملكة.
  • أعلنت السلطات الأمنية في قطر، في شهر آذار/مارس 2026، عن توقيف خليتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني، وجاءت هذه العملية في إطار ملاحقة أوسع للخلايا التابعة لإيران وحزب الله اللبناني في منطقة الخليج.
  • أعلنت وزارة الداخلية السورية، في أيار/مايو 2026، عن تفكيك خلية «إرهابية» مرتبطة بحزب الله.

الخلاصة

أمام هذا الكم من الاتهامات والمعطيات والتصريحات والوقائع، إضافةً إلى ما يعاني منه لبنان من حربٍ دموية مدمرة، ونزوح يفوق التصور وإمكانات المعالجة والاستيعاب، وحتى معالجة التداعيات، لم يعد ممكناً اعتبار أن سلاح حزب الله مسألة داخلية لبنانية، أو أنه مشكلة يمكن معالجتها داخلياً وعلى طاولة المفاوضات تحت عنوان الحوار الوطني، أو تحت سقف ما يُطلق عليه «استراتيجية الدفاع الوطني».

ما يجب أن نتوقف عنده هو مستقبل لبنان ومصير شعبه، وليس حزباً بعينه أو بيئة محددة. إن مسؤولية الدولة اللبنانية هي حماية الوطن وإدارة شؤونه والنهوض باقتصاده وضمان استقراره، مهما كانت الظروف والأسباب.

كذلك لا يمكن تجاهل أن حزباً قام بإعلان حربٍ، وما سبقها من حروب إقليمية تحت عناوين مختلفة وخدمةً لاستراتيجيات خارجية، يطالب اليوم بالحوار معه على مستقبل سلاحه وميليشياته، لأنه من الواضح أنه يريد أثماناً سياسية وفرض واقع سياسي وأمني على اللبنانيين، مع ما تبقى معه من سلاح قبل أن يفقده بالكامل.

السابق
أصالة في  رواية «المنتقم: قطار الفرح»… من سجون صيدنايا إلى قاعات المحاكم الدولية
التالي
بعد تحذير شي… تايوان تعتبر الصين «الخطر الوحيد» على السلام الإقليمي